تلك رسالة تقرير التنمية البشرية 2020 للعالم الذي تصدره الأمم المتحدة، حيث يضع رفاهية الإنسان في مركزه لقياس التقدم، وهل لدى الناس في جميع أنحاء العالم الإمكانيات، ليحققوا ما يطمحون إليه في الحياة؟

اليوم في ظل استراتيجية التنمية المستدامة تختلف فرص وتطلعات وخيارات الشخص اختلافًا كبيرًا عما كانت عليه قبل 30 عامًا، ومن الأمثلة على ذلك التقدم الكبير المحرز فيما يتعلق بالفقر المدقع والجوع، فبحلول عام 2010 حقق العالم خطوات جيدة في الهدف الأول من أهداف الألفية الإنمائية 1990 إلى 2015 مع تحقيق مستويات مرتفعة من التنمية البشرية.

ولكن ظهرت تحديات جديدة والمتعلقة بانعدام الأمن المائي والغذائي، وتغيرات المناخ وتلوث الهواء وتدهور الأراضي، وفقدان التنوع البيولوجي وتدهور النظم الإيكولوجية البحرية والساحلية وانخفاض إنتاجية المحصول، وكلها عناصر مهمة لأداء الإنسان وقدرته على إحداث تنمية شاملة.

أوضح تقرير الشبكة العالمية البصمة البيئية أنه خلال الفترة 1992-2014 حدث انخفاض حاد في نصيب الفرد من رأس المال الطبيعي في 140 دولة، مما أدى إلى تقلص قاعدة الإنتاج لتحقيق معدلات نمو أعلى للناتج المحلي الإجمالي، نتيجة للاقتصاد الخطي، واليوم هناك إدراك متزايد، بأن الإنتاج والاستهلاك غير المستدام، وعدم التوازن بين الإنسان والطبيعة يعملان على انهيار حدود الكوكب.

في ضوء هذه الحقائق الجديدة يجب إعادة النظر في ماهية التنمية البشرية المستدامة، والتي تم حصرها بين رقمين هم أعلي معدل لتحقيق التنمية البشرية (0.7) وكمية الموارد الطبيعية الصالحة والمتاحة على كوكبنا 1.7 هكتار عالمي للفرد في السنة world biocapacity.

كما ذكر تقرير التنمية البشرية 2019 بشكل مختصر، من خلال وضع مؤشر البصمة البيئية Ecological footprint أو بصمة الاستهلاك في مقارنة مع مؤشرات التنمية البشرية HDI، حيث يؤدي التدهور البيئي إلى تراجع الدول في مؤشر التنمية البشرية.

ليتضح مدى هشاشة البلدان والنظم العالمية تجاه الصدمات الكبرى، وما يلزم من إجراءات حاسمة للحد من المخاطر، وبناء القدرة على مواجهة الأزمات الصحية العالمية في المستقبل، وضمان الحماية طويلة الأجل لصحة الإنسان والازدهار، والتي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بصحة كوكبنا، وكيف ندير الموارد التي تدعم الحياة والتي يوفرها التنوع البيولوجي والنظم البيئية لتقليل فرصة انتقال الأمراض في المستقبل من الحيوانات إلى البشر وسبل العيش في خطر، لذا يجب علينا أن نغير علاقتنا مع بيئتنا الطبيعية على وجه السرعة، حيث يشكل تغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي تهديدات خطيرة لمستقبلنا وهذا ما أكدته جائحة كورونا.

تقرير التنمية البشرية لعام 2020 سوف يعطي مساحة أكبر لمسارات التنمية البشرية المستدامة، من خلال دمج البعد البيئي بشكل أكثر صراحة، والغرض هو استكشاف كيف ولماذا نحتاج إلى الانخراط في البيئة كعامل تمكين رئيسي للتنمية البشرية، وتقييم أبعاد الاستدامة البيئية التي تؤثر بشكل مباشر على القدرات البشرية وعلى الرفاهية والحفاظ عليها، وسيشمل ذلك أوجه تقدم مهمة في دمج رؤوس أموالنا الطبيعية، ضمن إجمالي الناتج المحلي، وكذلك التأثيرات البيئية على إنتاجية الإنسان ورفاهية ما يسمي بالاقتصاد الأخضر والمحاسبة البيئية الخضراء.

من هذا المنطلق نأمل في يوم من الأيام للصفحات المالية في الصحف الوطنية، أن تتحدث عن إجمالي رأس المال الطبيعي بالمقارنة بإجمالي الناتج المحلي، لتحقيق مبدأ الفصل بين النمو الاقتصادي والتدهور البيئي الذي توصي به التقارير العالمية منذ سنوات.

وليتضح للجنس البشري علي هذا الكوكب أن استمرار الاقتصاد الخطي، سوف يسبب خسارة في إجمالي الناتج العالمي 10 تريليون دولار والتحول إلى اقتصاد أخضر سوف يعوض تلك الخسارة بقيمة مضافة قدرة 0.23 تريليون دولار في 2050، كما ذكر تقرير المستقبل العالمي تلك هي حوافز الحفاظ على الطبيعة.