في ظل الاحتفال بيوم البيئة العالمي، دحر تلوث الهواء، نجد أن المواد الكيميائية جزء من حياتنا اليومية؛ فجميع المواد الحية وغير الحية تتألف من مواد كيميائية، وكل المنتجات المصنعة تنطوي فعلياً على استخدام مواد كيميائية.

يمكن للعديد من المواد الكيميائية عندما تستخدم على نحو صحيح أن تساهم بشكل كبير في تحسين نوعية حياتنا وصحتنا ورفاهيتنا، لكن هناك مواد كيميائية أخرى شديدة الخطورة، ويمكن أن تؤثر سلباً على صحتنا وبيئتنا عندما تدار بشكل غير صحيح، ومنها الأَسْبَسْت (الأَمْيَانت) جميع أنواع الأسبست تسبب سرطان الرئة، وورم المتوسطة، وسرطان الحنجرة والمبيض، وداء الأسبست (تليف الرئتين) والزرنيخ مادة شديدة السمية.

وتناول الزرنيخ غير العضوي على مدى فترة طويلة يمكن أن يؤدي إلى تسمم مزمن بالزرنيخ والبنزين إن تعرض البشري لمادة البنزين يؤدي ذلك إلى السرطان وفقر الدم اللاتنسجي الكادميوم يسبب آثاراً سامة على الكلية والهيكل العظمي والجهاز التنفسي، ويصنف على أنه مسرطن بشري، والديوكسينات والمواد الشبيهة بالديوكسين هي ملوثات عضوية مستديمة تشملها اتفاقية استوكهولم، يمكنها أن تنتقل لمسافات بعيدة عن مصدر الانبعاث، وتتراكم بيولوجياً في السلاسل الغذائية والرصاص معدن سام، وقد تَسبَّب استخدامه الواسع في تلوث بيئي واسع النطاق، وفي مشاكل صحية في أجزاء كثيرة من العالم.

الزئبق من العناصر الطبيعية: يوجد في قشرة الأرض ويتم إطلاقه بشكل طبيعي من خلال النشاط البركاني وتآكل الصخور. وهو موجود بأشكال مختلفة لكل منها درجة متفاوتة من السمية ولكن جميعها ضارة بشكل متساو، مما يؤثر على الجهاز العصبي، والمخ، والقلب، والكليتين، والرئتين، والجهاز المناعي لجميع الكائنات الحية. ولأن التعرض للزئبق – حتى الكميات الصغيرة – قد يسبب مشاكل صحية خطيرة، بما في ذلك مشاكل صحية في الرحم، فقد اعتبرته منظمة الصحة العالمية أحد أكثر المواد الكيميائية العشرة في العالم التي تؤثر على الصحة العامة الرئيسية ويوجد في منتجات كثيرة، ومنها البطاريات وأجهزة القياس، مثل مقاييس الحرارة والضغط الجوي والمفاتيح الكهربائية والمصابيح (بما فيها بعض أنواع مصابيح الإضاءة) وملغمات الأسنان (المستخدمة في حشوة الأسنان)، ومنتجات تفتيح البشرة ومستحضرات التجميل الأخرى والمستحضرات الصيدلانية.

يساهم النشاط البشري في الجزء الأكبر من إطلاق الزئبق في البيئة. حيث يتم إطلاق ما يصل إلى 9000 طن من الزئبق في الغلاف الجوي كل عام في الماء وعلى سطح الأرض. ويتمثل أكبر مصدر لانبعاثات الزئبق في تعدين الذهب الحرفي يليه احتراق الفحم، وإنتاج المعادن غير الحديدية وإنتاج الأسمنت. كما تحتوي المواد المستخدمة يوميا مثل مستحضرات التجميل وبعض المصابيح الفلورية وبعض البطاريات وحشوات الأسنان على الزئبق ومركباته، ويحدث التسمم في معظم الأحيان عن طريق ابتلاع الأسماك الملوثة واستنشاق الزئبق السائل، الذي كان يستخدم عادة في مقاييس درجة حرارة الجسم، يتبخر في درجة حرارة الغرفة عند إطلاق الزئبق إلى البيئة، فإن بمقدور البكتيريا أن تحوّله إلى مثيل الزئبق الذي يتراكم بعدها بيولوجياً في الأسماك وحيوانات المحار (يحدث التراكم البيولوجي عندما يحتوي أحد الكائنات الحية على مادة الزئبق بتركيزات أعلى من تركيزاتها في البيئة المحيطة به). وتتعرّض أيضاً مادة مثيل الزئبق للتضخم البيولوجي، ومن المرجّح مثلاً أن تحتوي الأسماك المفترسة الكبيرة على كميات عالية من الزئبق نتيجة تناولها للعديد من الأسماك الصغيرة التي تكتسب الزئبق من خلال تناولها للعوالق ولا يؤدي الطبخ إلى إزالة الزئبق و من العوامل التي تحدّد الآثار الصحية التي تترتب على التعرّض ومدى شدتها نوع الزئبق والجرعة وسن الشخص المعرض له أو مرحلة العمرية (الأجنة هم الأشد عرضة للخطر) وطول مدة التعرّض وطريقة التعرّض (استنشاقه أو ابتلاعه أو ملامسته للجلد).

يوجد فئتان أكثر حساسية لآثار الزئبق هما الأجنة نتيجه لتعرّضه لمثيل الزئبق داخل الرحم عن استهلاك أمه للأسماك وحيوانات المحار، وهو أمر يمكن أن يؤثر سلباً على نمو دماغه وجهازه العصبي. ويخلف مثيل الزئبق أثراً صحياً كبيراً يتمثل في إضعاف نماء الجهاز العصبي، لذا فإن قدرات التفكير المعرفية ومهارات الذاكرة والانتباه واللغة والمهارات المكانية الحركية والبصرية الدقيقة أما الفئة الثانية الحساسة لآثار الزئبق فتتمثل في الأشخاص الذين يتعرّضون بانتظام لمستويات عالية من الزئبق حيث تبيّن أن هناك عدداّ يتراوح بين 1.5 طفل من كل 1000 طفل و17 طفلاً من كل 1000 طفل يعانون من ضعف قدراتهم الإدراكية (تخلف عقلي بسيط) ناجم عن استهلاك الأسماك الحاوية على الزئبق، وشملت تلك الفئات فئات السكان الموجودة في البرازيل وكندا والصين وكولومبيا وغرينلاند.

توجد طرق كثيرة للوقاية من أثار الزئبق الضارة بالصحة، ومنها الترويج لاستخدام الطاقة النظيفة ووقف استخدام الزئبق في تعدين الذهب وإلغاء تعدين الزئبق و ذلك من خلال التحول من الإقتصاد الخطي الي الإقتصاد الدوار المعتمد علي إعادة التدوير و التدرّج في إلغاء استخدام المنتجات غير الأساسية المحتوية على الزئبق وتنفيذ ممارسات آمنة في استخدامها والتخلّص منها و حظر إستخدام ملغمات الأسنان المحتوية علي الزئبق حيث توجد بدائل لذا فالتحول الي إقتصاد دوار واستخدام طاقة نظيفة ومراعاة اشتراطات السلامة عند الاستخدام والتخزين لجميع الكيماويات (الوقاية خير من العلاج) والإلتزام بالإتفاقيات الدولية والعمل بها، مثل إتفاقية مينا ماتا، هي صك عالمي ملزم قانوناً يهدف إلى حماية صحة الإنسان والبيئة من الانبعاثات والإطلاقات البشرية المنشأ للزئبق ومركّبات الزئبق وإاتفاقية بازل في طرق التخزين والتداول والتخلص الأمن من تلك المركبات.

ومزيد من البحث في مجال الكيمياء الخضراء أو الكيمياء المعتمدة علي الطبيعة مما يكون له بالغ الأثر في سرعة التحول إلى إقتصاد أخضر وتحقيق استدامتنا.