سيذكر هذا القرن بوصفه قرن التوسع الحضري وسيشهد نمو أكبر للمناطق الحضرية في تاريخ البشرية، وبحلول عام 2050، ستكون هناك زيادة قدرها 4.2 مليار من السكان في المدن، ويوازي هذا المعدل للنمو الحضري بناء مدينة بحجم سكان مدينة لندن كل 7 أسابيع.

وسوف تضفي الإنسانية الطابع الحضري على مساحة تبلغ 2.1 مليون كيلومتر مربع، أي أكبر من حجم بلد مثل كولومبيا وقد أطلق على المدن أنها أعظم اختراع للبشرية، بوصفها طريقة للمعيشة يمكنها أن تحقق الكثير من الفوائد، بما في ذلك زيادة الإنتاجية الاقتصادية وزيادة فرص التعليم وتعزيز الفردية، والاستخدام الأكثر كفاءة للموارد الطبيعية والطاقة، وبالتالي يحمل قرن التوسع الحضري فرصة هائلة للبشرية. ومع ذلك، فإن قرن التوسع الحضري يمثل أيضا تحديا كبيرا للبيئة العالمية، بشكل مباشر من خلال التوسع في المناطق الحضرية وكذلك بشكل غير مباشر من خلال استخدام الطاقة والموارد الحضرية.

وهو ما يعيق بشكل مباشر التقدم نحو تحقيق هدف آيشي رقم #5، الذي يهدف إلى خفض معدل فقدان جميع الموائل الطبيعية إلى النصف على الأقل. وأن نمو المناطق الحضرية كان مسؤولا عن فقدان مساحة تبلغ ١٩٠ألف كم 2 من الموائل الطبيعية ما بين عامي 1992 و2000 وهو ما يشكل 16 ٪ من جميع الموائل الطبيعية التي فقدت خلال هذه الفترة. وتشمل المناطق الإحيائية التي كانت تشمل مساحات كبيرة من الموائل الطبيعية التي فقدت مثل الغابات المعتدلة والصحارى والغابات الاستوائية الرطبة. فإذا استمر النمو الحضري بهذه الوتيرة قد يهدد مساحة ٢٩٠ ألف كم 2 من الموائل الطبيعية بحلول عام 2030، حيث يمثل نمو المناطق الحضرية إحدى القضايا العالمية الرئيسية التي يجب أن تعالجها اتفاقية التنوع البيولوجي

كي تفي بأهدافها الطموحة.

لذلك وضعت خطة التنمية المستدامة لعام 2030 إطاراً طموحاً للجميع في أهداف وغايات غير قابلة للتجزئة لمعالجة مجموعة من التحديات المجتمعية والعالمية، وأهم تلك القضايا هي قضية الحفاظ والاستثمار في التنوع البيولوجي، حيث يظهر بشكل بارز في العديد من أهداف التنمية المستدامة (SDGs) السبعة عشر ومؤشراتها ١٦٩. وهي تساهم بشكل مباشر في رفاهية الإنسان وتحقيق أولوياته التنموية.

إن التنوع البيولوجي هو محور العديد من الأنشطة الاقتصادية، لا سيما تلك المتعلقة بالمحاصيل والثروة الحيوانية الزراعة والغابات ومصائد الأسماك والأدوية، وعلى الصعيد العالمي، ما يقرب من نصف سكان البشر يعتمدون بشكل مباشر على الموارد الطبيعية لكسب الرزق، والكثير من الناس الأكثر عرضة للخطر يعتمدون بشكل مباشر على التنوع البيولوجي لتلبية احتياجات حياتهم اليومية.

لذلك فقد اتفق العالم على وضع الخطة الاستراتيجية للتنوع البيولوجي 2011-2020 أهداف أيشي للتنوع البيولوجي المعتمدة في إطار تم الاعتراف به في اتفاقية التنوع البيولوجي على أنها تحدد الإطار العالمي للأولوية إجراءات بشأن الحفاظ والاستثمار في التنوع البيولوجي وتدعم أهداف التنمية المستدامة والخطة الاستراتيجية حتى ٢٠٢٠.

ومن هذا المنطلق نوضح أن التنوع البيولوجي يلعب دورًا أساسيًا في تحقيق أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر، الهدف الأول، القضاء على الفقر بجميع أشكاله في كل مكان حيث يوفر التنوع البيولوجي الموارد والدخل، خاصة بالنسبة لفقراء الريف من خلال خدمات النظام البيئي من مأكل ومشرب ودواء وكساء وتشكل السلع غير التسويقية الأخرى ﻣﺎ بين 50٪ و90٪ من المصدر الكلي لسبل العيش بين الأسر الريفية والأسر التي تعيش ﻓﻲ الغابات.

الهدف 2 – القضاء على الجوع وتحقيق الأمن الغذائي وتحسين التغذية؛ وتعزيز الزراعة المستدامة حيث يعد التنوع البيولوجي عنصراً رئيسياً للأمن الغذائي ووسيلة لتحسين التغذية.

كثير من الأشخاص الضعفاء يعتمدون على الغذاء المجمَّع من النظم البيئية الطبيعية، مثل الغابات والمراعي، المحيطات والأنهار. كما يدعم التنوع البيولوجي وظائف النظام الإيكولوجي، مثل التلقيح والحفاظ على خصوبة التربة، ونوعية المياه، محورية للإنتاجية الزراعية.

الهدف 3 – ضمان حياة صحية وتعزيز الرفاهية للجميع في جميع الأعمار يعزى ما يقرب من 1 من كل 4 وفيات على مستوى العالم إلى عوامل المخاطر البيئية.

حيث تساعد النظم البيئية الصحية تخفيف انتشار وتأثير التلوث من قبل كل من عزل وتصفية أنواع معينة من تلوث الهواء والماء والتربة. يساهم التنوع البيولوجي الزراعي في زيادة الإنتاج المستدام، تقليل الحاجة إلى مبيدات الآفات والمواد الكيميائية الأخرى، مما يؤدي إلى فوائد لصحة الإنسان. علاوة على ذلك، تعتمد نسبة كبيرة من سكان العالم على الأدوية التقليدية المشتقة من التنوع البيولوجي لاحتياجات الرعاية الصحية الخاصة بهم

الهدف 5 – تحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين جميع النساء والفتيات تلعب المرأة دوراً حيوياً في الزراعة والتغذية ورفاهية الأسر والمجتمعات. إن إدراك دور المرأة كدور رئيسي للأراضي والموارد الطبيعية أمر أساسي للاستدامة والتطوير. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يستمر فقدان التنوع البيولوجي وما يرتبط به من خدمات النظام الإيكولوجي من عدم المساواة بين الجنسين من خلال زيادة الوقت الذي تقضيه النساء والأطفال في أداء مهام معينة، مثل جمع الموارد القيمة، بما في ذلك الوقود والغذاء والماء.

الهدف 6 – ضمان توافر المياه والصرف الصحي للجميع وإدارتها على نحو مستدام.

إن النظم البيئية تساعد في الحفاظ على إمدادات المياه والجودة، والحماية من المخاطر المرتبطة بالمياه والكوارث. على سبيل المثال، تلعب الأراضي الرطبة دورًا في تخزين المياه السطحية والجوفية والمياه الجوفية تقليل مخاطر الفيضانات. كما أنها تساعد في التقاط ومعالجة وتخفيف الملوثات. وبالمثل، النباتات، مثل المراعي والغابات.

الهدف 8 – تعزيز النمو الاقتصادي المستدام والشامل

التنوع البيولوجي والنظم الإيكولوجية تدعم العديد من الأنشطة الاقتصادية الوطنية والعالمية، بما في ذلك تلك المتعلقة بالزراعة والغابات ومصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية والطاقة والسياحة والنقل والتجارة. يمكن أن يؤدي الحفاظ على التنوع البيولوجي والاستخدام المستدام إلى زيادة الإنتاجية وزيادة الموارد والاستخدام طويل الأجل للموارد.

الهدف ٩ – بناء بنية تحتية مرنة، وتعزيز التصنيع الشامل والمستدام و تشجيع الابتكار.

يمكن أن يوفر التنوع البيولوجي والنظم البيئية الصحية بنية تحتية طبيعية موثوقة وفعالة من حيث التكلفة. على سبيل المثال، تحمي الشعاب المرجانية وغابات المانغروف السواحل من الفيضانات المتوقعة وزيادة تغير المناخ. يمكن للبنية التحتية الطبيعية مثل النباتات في المدن أن تقلل من الجريان السطحي من التلوث في المسطحات المائية. هذه البنية التحتية الخضراء يمكن أن تقدم فوائد متعددة وغالبا ما تكون أكثر فعالة من البنية التحتية المبنية من حيث التكلفة وطول العمر والفعالية.

الهدف 11 – جعل المدن والمستوطنات البشرية شاملة وآمنة ومرنة ومستدامة

تعزز النظم الإيكولوجية والتنوع البيولوجي الأداء اليومي للمستوطنات البشرية من خلال تقديمها الخدمات الأساسية والشروط التي تمكِّن وتدعم وتحمي الإنتاج البشري والاستهلاك وسكن. توفر الموارد البيولوجية العديد من الأغذية ومواد البناء والطاقة والأدوية تستهلك في المراكز الحضرية. يمكن أن يسهم التخطيط الحضري الذي يجمع بين اعتبارات التنوع البيولوجي إلى مستوطنات بشرية أكثر استدامة وفعالية من حيث التكلفة الصحة

الهدف 12 – ضمان أنماط الاستهلاك والإنتاج المستدامة استهلاك وإنتاج جميع السلع والخدمات تتطلب تحويل العديد من الموارد الطبيعية  ، والتي بدورها تؤثر على التنوع البيولوجي. الاستهلاك والإنتاج الحالي غير المستدام يمكن للأنماط أن تقوض قدرة النظم الإيكولوجية على توفير الخدمات للصناعات والمجتمعات تعتمد عليهم. استخدام أساليب أنظف وأكثر كفاءة في استخدام الموارد لتقليل النفايات والملوثات يمكن أن تجلب الفرص الاقتصادية وتحسين نوعية الحياة للمستهلكين والمنتجين على حد سواء، وفي الوقت نفسه لصالح التنوع البيولوجي.

الهدف 13 – اتخاذ إجراءات عاجلة لمكافحة تغير المناخ وآثاره وتمثل الغابات ، والأراضي الخثية، والأراضي الرطبة، والمحيطات، والنظم الإيكولوجية الساحلية مخزن طبيعي للكربون وحفظها واستخدامها المستدام هو عنصر حاسم لتجنب خطر تغييرات المناخ .  هذه النظم الإيكولوجية يمكن أيضا بمثابة مخازن طبيعية ضد المناخ المتطرف والكوارث الأخرى، وتعزيز التكيف مع تغير المناخ.

الهدف 14 – حفظ المحيطات والبحار والموارد البحرية واستخدامها على نحو مستدام.

إن الحفظ والاستعمال المستدام للتنوع البيولوجي في النظم الإيكولوجية البحرية والساحلية هو مفتاح لاقتصاد أزرق يحتل المركز السابع بين اقتصاديات العالم ويحقق أهداف التنمية المستدامة، حيث يدعم التنوع البيولوجي جميع أنشطة الصيد وتربية الأحياء المائية، وكذلك الأنواع الأخرى المستخدمة للأطعمة والأدوية. الحفظ والاستعمال المستدام للتنوع البيولوجي الساحلي أمر ضروري لضمان محيطات العالم وبحاره وموارده البحرية تبقى حيوية

الهدف 15 – حماية واستعادة وتشجيع الاستخدام المستدام للنظم الإيكولوجية الأرضية، على نحو مستدام.

إدارة الغابات ومكافحة التصحر ووقف تدهور الأراضي ووقف فقدان التنوع البيولوجي يعد الحفاظ على النظم الإيكولوجية الأرضية واستعادتها واستخدامها المستدام أمراً أساسياً للاستدامة، وتشمل الأهداف في إطار هذا الهدف دعوة لدمج قيم النظام الإيكولوجي والتنوع البيولوجي في تخطيط التنمية الوطنية والمحلية، واستراتيجيات الحد من الفقر والحسابات الاقتصادية الإيكلوجية.

الهدف 16 – تعزيز المجتمعات السلمية والشاملة للتنمية المستدامة، وتوفير الوصول إلى العدالة للجميع وبناء مؤسسات فعالة وخاضعة للمساءلة وشاملة للجميع على جميع المستويات، حيث أن النزاعات حول الموارد الطبيعية والتدهور البيئي والتلوث يمكن أن تكون واحدة من عوامل تؤدي إلى انعدام الأمن الاجتماعي والعنف وتعزيز حقوق المجتمع على إدارة الموارد الطبيعية، ومكافحة الاستغلال والفساد، وضمان الشفافية في اتخاذ القرارات الاجتماعية والبيئية  لبناء مجتمع شامل قائم على العدالة.

الهدف 17 – تعزيز وسائل التنفيذ وتنشيط الشراكة العالمية من أجل تنمية مستدامة.

حيث توفر الخطة الاستراتيجية للتنوع البيولوجي فرصًا لتعزيز الشراكة العالمية في العلوم والتكنولوجيا والابتكار، ونشر التكنولوجيات المستدامة أي الصديقة للبيئة، وبناء القدرات الوطنية لرصد التقدم المحرز في خطة عام 2030.

لذا يجب أن تضع الحكومات تصورا إيجابيا لمستقبل الطبيعة في قرننا القائم على التوسع الحضري، بحيث يكون مستقبل يتحقق فيه النمو المستدام للمناطق الحضرية في المواقع الملائمة ويتزامن ذلك مع

حماية واستعادة وتعزيز الطبيعة في المناطق القريبة. فالطبيعة داخل المدن وبالقرب منها لها أهمية حاسمة ليس فقط للحفاظ على التنوع البيولوجي ولكن لضمان رفاهية الانسان، التي تعتمد على ما توفره الطبيعة من فوائد.