في ظل التنمية المستدامة التي تهدف إلى الحفاظ والاستثمار في رؤوس أموالنا الطبيعية وجعلتها أصولا ثابتة، ولد من رحمها عدد من المفاهيم الاقتصادية الحديثة مثل الاقتصاد الأزرق أو النمو الأزرق، حيث ابتكر هذا المفهوم، البلجيكي غانتر بولي، وهو يقوم على نموذج الحفاظ والاستثمار وخلق فرص عمل باستخدام الموارد المائية وما تحويه من تنوع أحيائي محلي وتحقيق الاستدامة، حيث ظهر أكثر في أعقاب مؤتمر ريو عشرين عام 2012، حيث يحتل المركز السابع بين الاقتصاديات العالمية بإجمالي استثمارات عالمية، اثنان ونصف تريليون دولار، ويرجع ذلك لما تشغله المسطحات المائية من كوكبنا الأزرق وما تحويه من تنوع أحيائي.

لذا يجب تغيير نظرتنا إلى البحار والمحيطات من مجرد أماكن للترفيه إلى أنها توفر حوالي مئتان وستين فرصة عمل من خلال مصائد الأسماك المستدامة، وتحتوي على 80% من التنوع البيولوجي، تبدأ من البلانكتون أساس السلسلة الغذائية البحرية، إلى الحوت الأبيض، وتوفر حوالي نصف الأكسجين الموجود في الغلاف الجوي، وتمتص الكائنات الحية البحرية من أشجار المانجروف والأعشاب البحرية والسبخات والأراضي الرطبة والشعاب المرجانية حوالي خمس أضعاف الكربون الذي تمتصه الغابات الاستوائية، وحوالي 40% من سكان العالم يعيشون على مائة كيلومتر من السواحل و13 مدينة كبري من أصل 20 مقامة على السواحل.

يحقق الهدف الأول من أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر، الحد من الفقر والجوع، والهدف الخامس عشر، هو الاستدامة في الحياة البحرية يوفر فرص عمل، مما يرفع من مستوى المعيشة لأفراد المجتمع، وعامل جذب سياحي مهم، حيث تساهم رياضة الغطس لمشاهدة الشعاب المرجانية بحوالي تريليون دولار، أو ما يسمى بالسياحة البيئة المستدامة، وبالتالي مصدر هام لتعظيم إجمالي الناتج المحلي والعالمي، لذا فإن الاستثمار المستدام في الاقتصاد الأزرق هو القوة الدافعة لتحقيق اقتصاد أخضر وتنمية مستدامة، والحد من ظاهرة تغيرات المناخ، وبالرغم مما سبق، فإن النشاط الإنساني الغير مستدام أدى إلى إزالة غابات المانجروف بمعدل من ثلاث إلى خمس مرات أكبر من الغابات الاستوائية، انخفاض في تنوع الأحياء المائية بنسبة 39%، نصف الشعاب المرجانية تلاشت، وثلث الأعشاب البحرية تلاشت، و26% من المخزون السمكي مهدد بالانقراض.

وبنظره مستدامة للبحر المتوسط، نجد بالرغم من أن حوض البحر المتوسط يمثل أقل من واحد بالمائة من إجمالي مياه البحار و المحيطات في العالم إلا أنه أغنى بخمسة وعشرون نقطة في العالم في التنوع البيولوجي النباتي والحيواني والمائي، حيث يمثل حوالي من أربعة إلى ثمانية عشر بالمائة من إجمالي التنوع البيولوجي المائي في العالم، وغني بالبترول، حيث يحتوي على تسعة ونصف بليون طن، لذا تحتل شركات التنقيب حوالي 43% من مساحته، وأكد ذلك مؤتمر تغيرات المناخ بمراكش، وأصدر كتابا لوصف الوضع البيئي للمتوسط، والذي سيصدر سنويا عن الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة بناءا على طلب رابطة الصحفيين البيئيين، وتبين الوضع البيئي في تدهور حاد، بالإضافة إلى ما صدر عن المنتدى الاقتصادي العالمي بأن المخلفات البلاستيكية بحلول 2020 سنصل إلى طن بلاستيك لكل ثلاثة أطنان سمك، لما يحتويه البلاستيك من مواد كيميائية مسرطنة وسامة تستطيع الأسماك هضمها، ووصولها للإنسان من خلال سلسلة الغذاء، حيث وجد حوالي خمسة أطنان من بقايا بلاستيكية طولها لا يزيد عن خمسة ملم، مما يمثل خطر على السلاحف البحرية والمهددة بالانقراض، والفقمة، وأيضا الصيد الجائر ومنصات التنقيب والمخلفات الصناعية والصحية وبقايا البلاستيك التي قدرت بحوالي من ألف إلى ثلاثة آلاف طن، ومخلفات مصانع الكيماويات قدرت بحوالي خمسمائة ألف طن سنوي، وتغيرات المناخ التي أدت إلى ارتفاع حرارة سطح البحر لتصل إلى ثلاثين درجة مئوية، بالإضافة غلى ارتفاع الحموضة والملوحة بنسبة عشرة بالمائة، وقلة الأكسجين الذائب في الماء، واختلال سلسلة الغذاء للكائنات البحرية.

وإذا استمر الوضع على ما هو عليه، سوف نتعرض لما يسمى ببحار الكربون، حيث يخرج غاز الكربون في الليل نتيجة لانعكاس عملية البناء الضوئي، كما نعلم، مما يؤدي إلى موت الجنس البشري، وكما ذكر مؤتمر باريس لتغيرات المناخ، أنقذوا الجنس البشري من الانقراض، كما حدث في بعض البحيرات بجنوب افريقيا، مما يهدد الحياة البحرية بالموت نتيجة لهجرة أنواع كثيرة من الأسماك والقناديل السامة والمفترسة إلى المتوسط، وهذا بدوره سيؤدي إلى عجز في الثروة السمكية وأيضا انعدام السياحة على طول الساحل المتوسط، ومن وجهة نظر اقتصادية، فإن كمية الكربون الممتصة في السنة تساوي 4.3 تريليون دولار، وكمية التنوع البيولوجي تساوي 6.7 ترليون دولار، وأعمال التجارة البحرية 5.2 تريليون دولار، ويقترح المنتدى الاقتصادي، خلق اقتصاد دوار، أي يعتمد على إعادة التدوير وتشجيع البلاستيك الحيوي لكي يمكننا من إنتاج سماد من البلاستيك الحيوي بدلا من إلقائه ووضع علامات كيميائية على المواد البلاستيكية توضح مكوناته من مواد كيميائية، ومدى الخطورة وخلق برامج تقييم لموارد اقتصادنا الأزرق بالتوازي مع الاقتصاد الأخضر، لتحقيق أهداف خطة مصر للتنمية المستدامة المنبثقة من الأهداف الإنمائية لما بعد 2015 لذا يجب الرجوع إلى الاتفاقيات الدولية للكربون الأزرق والتنظيم في حركة السفن والصيد والتنقيب ومنع المواد البلاستيكية من دخول الشواطئ.