النظام الإيكولوجي هو نظام متوازن ومعقد في علاقة مكوناته ببعضها، والتي تتمثل في النبات والحيوان والماء والهواء والتربة والكائنات الحية المرئية والمجهرية، ونتيجة لتدخل الإنسان بزيادة الاستهلاك أو ما يسمى البصمة البيئية التي تجاوزت قدرة النظام على تجديد نفسة بنسبة 20% دون التخلص الآمن من المخلفات والتعدي على موارده الطبيعية، بالصيد الجائر، وبناء المدن الكبرى التي أظهرت نوعا جديدا من التلوث يسمى التلوث الضوئي الناتج عن الأضواء الاصطناعية، أدى هذا كله إلى اختلال التوازن المتمثل في تغيرات المناخ والجوع ونقص التغذية وتدهور الموارد الطبيعية وفقدان التنوع البيولوجي.

لذا ينادي العالم بمعالجة هذا الخلل من خلال الطبيعة، أي مواجهة الطبيعة بالطبيعة للتكيف والحد من تغير المناخ وما يتبعه من أثار سلبية على رؤوس أموالنا الطبيعية والبشرية، ومن هذا المنطلق، تعتبر الغابات من الثروات المتجددة، حيث تؤدي دورا هاما في تقديم خدمات اقتصادية واجتماعية وبيئية ذات أهمية بالغة في الحفاظ على التنوع الحيوي والتوازن البيئي والحفاظ على مخزون المياه، والحد من تدهور التربة، وتساهم في تنقية الهواء، والحد من تأثير التغير المناخي، بالإضافة لكل الخدمات البيئية.

الغابات تساهم في دعم الموارد الاقتصادية عبر توفير فرص استثمارية وصناعية مثل السياحة البيئية وصناعة الأخشاب في البلاد التي لديها غطاء نباتي كبير، وتشكل الغابات حوالي 30  % من مساحة اليابسة، 3,9 مليارهكتار، ولكن هذا المصدر الطبيعي الهام يعاني من التعدي والتدهور نتيجة التوسع العمراني والحرائق وسوء الإدارة، حيث  يتم فقدان 11,3 مليون هكتار سنوي، فهناك انحسار لرقعة الغابات في العالم، وعلى صعيد الوطن العربي، تعتبر الغابات الطبيعية محدودة المساحة، وهناك تباين في توزيعها بين الدول المختلفة نتيجة التباين في المناخ بالمنطقة العربية الممتدة من ساحل البحر الأبيض المتوسط شمالا إلى خط الإستواء جنوبا، ومن الخليج العربي شرقا إلى ساحل المحيط الأطلسي غربا، والذي بدوره أدى إلى تعدد المناطق البيئية التي تشمل المناطق المدارية وشبه المدارية والمناطق الاستوائية وشبه الجافة، حيث تُقدر مساحة الغابات في الوطن العربي بحوالي  84 مليون هكتار، وهو ما يعادل حوالي % 6 من إجمالي المساحة، وهي تمثل بقايا الغابات في الماضي، والتي كانت تغطي 50 % من مساحة الوطن العربي والتي تلاشت نتيجة الاحتطاب والجفاف والحرائق ونمط الاقتصاد البني الكلاسيكي.

الغابات تحتل ثلث مساحة كوكب الأرض ويعتمد عليها 1.6 مليون شخص، وهي تجمع حي يضم حوالي 80% من كائنات نباتية وحيوانية، يجمع بينها عدد لا حصر له من العلاقات المتداخلة، ولعل السمتين المميزتين للمنظومة البيئية الغابية هما ما تتميز به الأشجار من كثافة عددية وما تمارسه الغابة من تأثير في بقية الأنواع النباتية والحيوانية، فبتحلل أوراق الأشجار المتساقطة على الأرض، تزيد نسبة المادة العضوية، وتزداد خصوبة التربة، فبعض بذور الأشجار كالصنوبر تكون مصدرًا لغذاء بعض الطيور التي تعيش في الغابة، كذلك تمثل أوراق الأشجار الغذاء المفضل لأصناف عديدة من الحشرات بعض الكائنات الحيوانية كالطيور والحشرات تسهم بدورها هي الأخرى في توفير الظروف الملائمة للنمو السليم للأشجار، وذلك بما تقدمه من خدمات كالتلقيح أو من نثر للحبوب والبذور ونمو الأشجار في الغابات على عدة طبقات واضحة المعالم، تتفاوت أطوالها حتى تصل إلى 40 مترًا،  يؤدي إلى تعدد درجات كثافتها الضوئية وتعدد مستويات رطوبتها، مما يسمح بوجود أنواع من الأحياء تتعايش معها في حيز ضيق وبذلك تعتبر الغابات أغنى أجزاء سطح الأرض بأنواع الكائنات الحية المختلفة، فنلاحظ الهكتار الواحد من الغابات المطيرة المختلطة يضم 300 نوع من الأشجار، ورقعة مساحتها 5 كم مربع من الغابات المطيرة تضم أكثر من 1300 نوع من الفراش، و600 نوع من الطيور فمن فوائد الغابات على النظام الأيكولوجي، حفظ حواف الترع والقنوات حيث أن لبعض الأشجار الخشبية مجموع جذري شبكي مثل أشجار الصفصاف يستطيع أن يمسك بحواف الترع والقنوات والمجاري المائية بصفة عامة ويمنع تهدلها.

الصرف الحيوي (التخلص من الماء الأرضي الزائد) من خلال عملية النتح مثل أشجار الكافور، وقد تم الاستفادة من هذه الميزة في استخدام وزراعة هذه الأشجار في الأراضي ذات المحتوى المائي المرتفع بدل أن يتم صرف هذه المياه عن طريق حفر المصارف ورفع المياه بالماكينات، فإن الأشجار بنفسها تقوم بصرف هذه المياه وتحد من الضجيج بحدود جيدة بالنسبة لكل متر من سماكة الحاجز الحراجي ومصدر للأخشاب والمواد الأخرى التي تلعب دورا هاما في التنمية الاقتصادية والحد من خطر الفيضانات والسيول في المناطق التي تتميز بشدة أمطارها وتعرضها للسيول بصفة مستمرة، فنجد أن سيقان الأشجار تعمل كحاجز أمام اندفاع المياه وتراكم المادة العضوية تحت هذه الأشجار من أفرع وفريعات وأوراق تعمل على تشرب المياه، وأيضاً إعاقة الجريان السطحي للمياه الذي يؤدي إلى تدهور التربة وتلوث المسطحات المائية والأشجار، تجعل التربة تحتها هشة لدرجة كبيرة، وهذا يساعد على امتصاص هذه التربة للمياه المندفعة، فتقلل من شدة جريانها، وتقوم الغابة بدور مصفاة طبيعية للغبار والدخان وغيرها من ملوثات الجو، فمثلا غابة من الأشجار ذات الأوراق العريضة في منطقة معتدلة يمكن أن توقف سنويا بحدود 80 طن من الغبار في الهكتار، وغابة من الصنوبريات 30 طن فهي تعتبر نظاما بيئيا صحيا جدا للإنسان، والمحافظة على التربة وتحسينها وحماية التربة، حيث تقوم بعزل الرياح عن الطبقة السطحية للتربة، فلا تؤدي إلى إنتقال هذه الطبقة بواسطة الرياح من مكان لآخر، وبذلك تمنع فقد التربة لخصوبتها، بالإضافة إلى أنها تحد من ظاهرة الاحتباس الحراري، حيث  يمتص كل كيلو متر مربع من الأشجار يوميا من 12-20 كيلو غرام من غاز أول أكسيد الكربون، ويستهلك كل متر من المادة الخشبية في الغابات 1,8 طن من غاز ثاني أكسيد الكربون، ويُطلق 1,2 طن الأكسجين، وحزاما أخضر بعرض 30 متر يخفض غاز أول أكسيد الكربون بنسبة 60 %، وينقي الهكتار الواحد من الغابات 18 مليون متر مكعب من الهواء على مدار العام، والحزام الأخضر يحجز ما يوازى 75% من الأتربة العالقة، شرط اتباع الأسس العلمية في زراعته من حيث دراسة أشكال الرمال لتحديد اتجاه وسرعة الرياح، وأيضا طريقة زراعة الأحزمة وأنواع الأشجار المختارة. أضف إلى ذلك تأثير تلك المساحات الخضراء على سكان المنطقة من زيادة نسبة التركيز وتقليل الميل للعنف بنسبة 25%، والحد من حالات الإحباط والاكتئاب وتزيد من الإحساس بالألفة والمحبة بين سكان المنطقة، والحد من الأمراض التنفسية وأمراض السمنة بنسبة 40%، حيث أن سكان تلك المنطقة يزداد نشاطهم 3 أضعاف، والحماية من الأشعة الضارة.

لذا فإن الاهتمام بزيادة المساحات الخضراء ضمن التخطيط الحضري، هذا مؤشر على الاهتمام الدولي للحراك نحو اقتصاد أخضر ورسم سياسات للتنمية المستدامة بحيث تحقق التوازن بين تنمية رأس المال الاجتماعي ورأس المال الطبيعي ورأس المال الاقتصادي  لنحقق الرؤية المستقبلية للتنمية المستدامة، وهي الحفاظ والاستثمار في رأس المال البشري والطبيعي، والحفاظ على التنوع البيولوجي أساس استدامة هذا الكوكب الحي وأحد أساليب علاج الطبيعة بالطبيعة.