فيديو| بعد فقد بصرها.. ذكريات الطفولة تضئ حياة “ياسمين” بالفن والموسيقى

فيديو| بعد فقد بصرها.. ذكريات الطفولة تضئ حياة “ياسمين” بالفن والموسيقى حوار محررة ولاد البلد مع ياسمين كشك- تصوير: محمود عبد المنعم

أربع سنوات قضتها ياسمين بعين واحدة، لا تزال تذكر فيها جمال الطبيعة وسحر الألوان وقت الغروب والشروق وألوان العصافير، حتى الآلات الموسيقية بأنغامها المختلفة عرفتها وطربت لها، لتظل هذه السنوات القليلة، قبل أن تفقد بصرها وتصبح كفيفة، طاقة نور تنير ظلمة حياتها طوال عشرين عاما، بمواهب عدة ربما أكثرها غرابة صنع المشغولات اليدوية والإكسسوارات، على دقتها واحتياجها لذوق رفيع يناسب تناسق الألوان.

“لم أولد كفيفة، لكن عندما كنت رضيعة أصيبت إحدى عيناي بخلايا سرطانية واضطر الطبيب المعالج إلى استئصال العين المصابة لأنها تشكل خطورة على حياتي وقد ينتشر السرطان في أرجاء جسدي، ولكن الطبيب أخبر والدي بأن عيني الأخرى مهددة أيضا، وبالفعل عندما بلغت الأربع سنوات أصيبت عيني السليمة بسرطان وفقدتها هي الأخرى” تقول ياسمين كشك، ابن مدينة المنصورة، 24 عاما.

لعبة الألوان

بابتسامة ودودة لا تكاد تفارق وجهها، تتحسس “ياسمين” مجموعة من العبوات البلاستيكية المملوءة بحبات الخرز والأحجار الملونة بأشكال مختلفة، تتراص بجوار أدوات مثل “البنسة” وأسلاك رفيعة، على منضدة في غرفتها، تخرج حبة خرز من عبوة معينة ثم تعلقها في سلك مرن وبعد عدة حبات يبدأ تناسق العقد الذي تصنعه في الظهور ويظهر شكله الجمالي، كما لو كانت تشعر بتناسق الألوان وتقيم المنتج في النهاية بعرضه أمام عينيها كما لو كانت تشاهده.

“الكثير يتساءل كيف أستطيع تنسيق الألوان.. عندما كنت أبصر بعين واحدة امتلكت ذاكرة قوية لتذكر الألوان وعندما أدخل محلات الإكسسورات أقول لصاحب المحل على ظروفي وأطلب منه المساعدة في لون العقد والألوان المتداخلة وبحاسة اللمس أبدأ في تخيل شكل العقد وأصنع مثله تماما” تقول ياسمين.

تواصل عملها في مهارة وهي تقول “اكتشفت موهبتي في فن المشغولات خلال إحدى دورات تنمية المهارات، والفضل يعود إلى معلمتي التي جاءت إلي ذات مرة وأعطتني علبة بها خرز والأدوات التي تستخدم لصناعة الاكسسورات والحلي وقالت لي: يلا جربي واشتغلي، ظننتها تمزح في بادئ الأمر فأجابتني: أنا مبهزرش.. يلا أنا هشتغل وانتي اشتغلي زيي وأي غلط أنا هصححلك”.
تذكر ياسمين هذه اللحظة الفارقة في حياتها، عندما أمسكت بالخرز والأحجار وحاولت إدخال السلك داخله لصنع عقد مضيفة “في البداية أخذ مني الأمر وقتا كبيرا، ولكنني تحديت نفسي إلى أن أتقنتها وبدأت بصنع العديد من الأساور والساعات والعقد وغيرها” التي لاقت استحسان أصدقائها لدرجة أن بعضهم عرضوا عليها إنشاء صفحة على فيسبوك لعرض منتجاتها.

مواهب متعدد

عندما تتحدث ياسمين عن موهبتها تتحدث بلهجة عاشق الجمال، فهي لا تصنع الإكسسوارات لإثبات نفسها فقط، ولكن لأنها تتذكر معها الجمال الذي لا تزال تذكره في “الطبيعة وخاصة العصافير الملونة ولون شروق الشمس وغروبها” حيث شاهدته بينما كانت طفلة.

هذا الشعور بالجمال جعل مواهب ياسمين لا تقف عند موهبة صنع الإكسسوارات فقط، فمنذ “أن كان عمري 13 عاما وأنا أتقن العزف على الآلات الموسيقية وحققت المركز الثالث على مستوى الجمهورية، وكنت أنا المسؤولة عن تنفيذ الموسيقى التصويرية للعروض المسرحية”.

ورغم تفوقها وتحديها إعاقتها بمواهبها العديدة، وإضافة لها حصولها على ليسانس آداب وتسجيلها رسالة الماجستير بقسم اللغة الإنجليزية بجامعة المنصورة، تشكو ياسمين من عدم فهم المجتمع لطبيعة متحدي الإعاقة.. “ذات مرة عرضت منتجاتي في إحدى المعارض فوجدت الناس تنظر إلي نظرة شفقة والأسوأ أن البعض كان يضع المال على طاولتي خاصتي وكأنها صدقة جارية وشعرت بالحزن والألم حينه وقمت بجمع أغراضي وذهبت”.

للمرة الأولى يعلو الحزن وجه ياسمين أثناء حديثها عن تعامل الآخرين معها مضيفة “البعض يتعامل معي بحساسية شديدة في الكلام خوفا من جرح مشاعري وفي الحقيقة هذا الأمر يزعجني، فالبعض يظن أنه طالما فقد الإنسان بصره لا يستطيع العيش إلا بمساعدة الأخرين ولا يمكنه اتقان أي شئ كالمبصرين تماما”.

وبذكر والدتها، تعود ياسمين للابتسام مشيرة إلى دعم عائلتها لها لاسيما أمها مختتمة بقولها “أمي تساعدني في عملي وتشجعني دائما وأرى من خلال عينيها جمال العالم”.

الوسوم