في تمام الثالثة والنصف عصر الأربعاء 28 نوفمبر 2018، قاعة المسرح الصغير بالأوبرا المصرية في آخر أيام العروض السينمائية لفعاليات مهرجان القاهرة السينمائي، الأعرق والأهم في الشرق الأوسط، صمت كل الحاضرين، صمتا منصتا بتمعن لكل ما يدور على شاشة هذا المسرح، ثقة منهم دون استثناء أنهم على موعد مع عمل يثري العقول، يهدهد الأرواح، كما تعودوا من السينما التونسية، والتي رغم قلة أو بالأحرى ندرة إنتاجها، إلا أنها عندما تشرق لا تدخر جهدا في إنارة كل عقل يتناولها، وحصل الفيلم التونسي “فتوى”، للمخرج محمود بن محمود على جائزة سعد الدين وهبة، لأحسن فيلم عربي، في مسابقة آفاق السينما العربية في ختام الدورة الـ 40 من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، فكل التحية والفخر بالسينما التونسية دائما وأبدا في مهرجان العرب الأول.

والآن وبعد مقدمة للحق كان لابد منها فلندخل سريعا في قراءة وإن كانت بسيطة لكنها تلخص بعمق ما حدث من إبداع راق، جعل معظم من حضر سعيدا رغم نكأ الجروح داخل هذا العمل الرائع.

ولنبدأ بالسيناريو.. والذي كان محكما ببساطه ممتنعة بلا تفلسف فيه بالمرة، ففيه سلاسة تصل لكل وأي مستوى، جمل تلغرافية راقية وهكذا يكون الحوار السينمائي، اختيارات الممثلين أكثر من رائعة، لدرجة أنك لا تجد فرقا واضحا لبطل مطلق أو ممثل أهم من ممثل من فرط التناغم بين كل الممثلين، وهذا يحسب بالقطع أولا لمحمود بن محمود، مخرج العمل، والذي في طياته تراكمات الخبرة (سينما صلاح أبو سيف) في فترة وهجه تحديدا.

لست أدري إن كان يعرف أستاذ الواقعية العربية (أبو سيف) أم لا؟!.. ولكن الرجل بالفعل واقعي، ناعم جدا، ويملك من الأدوات ما يجعله من رجال الإخراج العظام، حيث أن كادراته بالفعل ورغم ضيق أماكن التصوير في معظم مشاهد الفيلم نظرا لطبيعة القضية المثارة، إلا أنه كان بارعا براعة ورشاقة راقصي الباليه في تحركات الكاميرا والذي بالقطع خلفه مدير تصوير يرى بقلبه قبل عينه.

ولم أنسى أيضا تعليق مستفز جدا لأحدهم، حيث قال: إن إيقاع الفيلم بطيئ!

لكن سيدي الفاضل.. الرجل أي محمود المخرج تحكم في الإيقاع تماما وصعد الإيقاع تدريجيا بمنتهى البراعة والقوة عندما تطلبت الأحداث ذلك، فهو بالفعل قائد رزين ويملك من الأدوات الكثير والذي قطعا سنراه فيما هو قادم له..

-هناك لغة سينمائية؟

-بالقطع نعم ولغة راقية جدا أيضا.

وقبل أن ننسى ونغفل حقا أصيلا من حقوق العمل، فالموسيقى التصويرية لم تكد تلحظها وأنت تتابع من فرط ما هي ذائبة بالفعل في الأحداث وفي عبقرية نادرة عالميا وليس عربيا فقط.

والآن، وخوفا من الإطالة، يأتي دور الممثلين والذين -للأسف الشديد- لا نعرف منهم في مصر إلا (أحمد الحفيان) والد الشاب المقتول و(غاليه بن علي) أم الشاب، وطبعا كل الممثلين كانوا على قدر مسئولية احترام العقول المتابعة، (الحفيان) ممثل بنكهة عربية تجدها في كل حوارينا وبيوتنا، وللحق جسد الرجل دوره تجسيدا أشعرنا جميعنا بمنتهى البساطة في الآداء بفاجعته في مقتل ولده فهو أب بيننا جميعا بامتياز.

أيضا هناك سارة حناشي، زوجة موسى، قاتل الإبن وهي واعدة ولديها الكثير، وأيضا تتساوى مع (الحفيان) في قدرتها على تجسيد المقهورات الكثر في عالمنا البغيض، وانتزعت منا جميعا التعاطف معها، فشكرا لها.

ويأتي دور (لبنى) والتي جسدته غالية بن علي، والتي يعلم الجميع أنها مصرية الهوى، وهي بالفعل منا وفينا وقد قامت بدور الأم المكلومة والقوية في نفس الوقت، فهي الأم جدا، وبجانب ذلك فهي صاحبة قضية كبرى ومبدأ لا يخلو منطق. كل هذا فعلته غالية في دورها دون أي عناء وكأنها هي لبنى، غالية بن علي إن صح التعبير (عجينة أحمد زكي)، أبى من أبى وأيد من أيد، ولمن يريد أن يتأكد فالدعوة موجهة له بمشاهدة الفيلم، على أن يتابع صمتها جيدا قبل نطقها، وبعدها يطلق حكمه كما يشاء.

شكرا لكل من أدى دور ولو بسيط في هذا العمل الرائع وفي انتظاركم دائما يا توانسة في بلدكم مصر.