ولاد البلد

تواجه المرأة المصريةعدة تحديات عدة يأتي على رأسها التحديات الاجتماعية: حيث يبرز أمامنا عدة عوامل تستند إلي ثقافة و فكر يتعاملان مع المرأة ككائن – ليس أدني من الرجل قدرة و حسب ولكن ككائن يتلخص في دور واحد (زوجة – أم..إلخ). إن هذا الفكر المغروس في مجتمعنا الذي يتشح بالثقافة والأصالة مرة و بالدين مرة أخري ظل يعاقب المرأة  اجتماعيا علي وجودها في أي دور خارج هذا الإطار المحدد و الخانق لها – سواء من زاوية قدراتها وتطلعاتها أو من زاوية التطور الذي حدث للمجتمعات علي مر التاريخ.

وتظل المرأة التي تخرج من هذا الإطار المرسوم لها – سواء من واقع الضرورة الاقتصادية أو رغبة في تحققها كإنسان و ليس محض “أنثي” – تضطر إلي الدفاع عن وجودها في أدوار أخري – سواء كعاملة – نقابية- قيادية- مناضلة. إلخ .. أمام وابل من الاتهامات المحتملة والحاضرة في عقل المجتمع، ويضع هذا الوضع المرأة دائما في وضع الطرف الضعيف – السهل هزيمته – مما يجعل كثير من النساء تفضل عدم المشاركة و الانزواء بعيدا عن الأضواء، ليس فقط دفاعا عن سمعتها و لكن خوفا علي أسرتها من عواقب هذا الهجوم. وبالطبع فإن أكثر الأطراف التي تضغط على المرأة تحت تأثير هذا التهديد هو الأسرة، ويكون لذلك الأسلوب تأثيراً أكبر على العاملات في القرى.

إذن الواقع المجتمعي و الثقافة السائدة فيما يتعلق بالمرأة تلعب دور أساسي في قضية المشاركة و حدودها المتاحة و الممكنة  – و التي وجب التعامل معها لكي يتم وضع استراتيجيات تقوي النساء في مكان العمل وفي الأدوار التي تخرج بهم عن الأدوار التقليدية.

وبجانب ما ذكرناه من معوقات لا تملك المرأة بعد أدوات دفاع قوية تجاهها – يتم وضع المرأة منذ اللحظة الأولي أمام ضرورة إثبات لكل الأطراف أنها قادرة علي تلبية وأداء كافة الأدوار بكفاءة. أي أن المرأة لكي تلعب أي دور آخر – فهي تفعل هذا بالإضافة إلي  الدور الأسري، وليس بديلا عنه أو بمشاركة أسرتها، والذي إن أهملت فيه شيء ستكون مدانة – ليس فقط من قبل المجتمع ولكن من أسرتها أيضا. ولان الدولة لا تقدم أي دعم للدور الاجتماعي و الأسري للمرأة – كما تفعل الكثير من البلدان، فالعبء بكامله يقع علي المرأة – مما يؤثر في قدرتها في العطاء – خاصة بعد الزواج.

أما التحديات الاقتصادية التى تواجه المرأة وتعوق مشاركتها فالأرقام تطلعنا بوضع مفزع للمرأة العاملة، فبالرغم من أن مساهمة المرأة فى النشاط الاقتصادى (قوة العمل) 23.1% ، بحسب الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، فالأرقام تكشف لنا أيضا عن أن معدل بطالة النساء بلغ أكثر من أربعة أضعاف المعدل بين الرجال، ونتيجة لعدم إقبال أغلب القطاعات الاقتصادية فى القطاع الخاص على تشغيل النساء بحجة ارتفاع نسب الغياب للمرأة العاملة نتيجة لواجباتها الاجتماعية، والنتيجة الحتمية لذلك هى أن نسبة النساء العاملات فى القطاع غير الرسمى 46.7% أى أن نسبة كبيرة للغاية من النساء يعملن بدون أى حماية قانونية، ومما لا شك فيه أن هذا الوضع الاقتصادى الهش للمرأة العاملة يكون له تأثيراً سلبياً على مشاركتها.

و بالتالي نتيجة “للتكلفة” العالية لتوظيف النساء – في ظل غياب حماية اجتماعية لها من قبل الدولة أو الأسرة ، فان الطرف الوحيد الذي يقبل بتوظيف المرأة هو الطرف القادر علي الهروب من أي التزامات – سواء في التشغيل أو التأمينات أو أي نوع من الرعايا- مما يضع النساء  – خاصة في هذا القطاع من أكثر الفئات  تعرضا للمخاطر.

وأعتقد أن أخطر ما تواجهه المرأة من تحديات هى التحديات الثقافية، حيث تنامت الثقافة المعادية لمشاركتها وتمكينها من القيام بأدوار قيادية داخل المنظمات النقابية والسياسية وغيرها، ومع تنامى وانتشار الفكر “الوهابي” المتشح بالدين داخل المجتمع المصري، ووجود خطاب معادي لعمل المرأة  والذى اضطر – تحت تأثير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية فى المجتمع المصري – أن يغض بصره عن خروج المرأة للعمل، إلا أنه فى المقابل كثف من خطاب الخنوع لدى المرأة، فإذا كان لابد وأن تعمل المرأة فلا بد وأن تعمل وهى خانعة تماماً، وأن مجرد كسرها للصمت المفروض عليها وتحديها لثقافة السكوت المطالبة بها فإنها من منظور هذه الثقافة ترتكب معصية.

لقد سيطر هذا الفكر الوهابى على المجتمع المصرى وخاصة فى القرى المصرية بفعل سيطرة جماعة الإخوان المسلمين والجماعات السلفية على المساجد التى اتخذوا منابرها لنشر هذه الثقافة و التي لم تتوحد فقط مع المفاهيم و الثقافة التقليدية  بل ذهبت إلي إطلاق الأحكام الدينية وتطبيقها في بعض الأحيان – مما جعل المناخ خارج الأسرة – مناخ معادي للمرأة – هذا في مقابل ضعف المؤسسات المدنية سواء كانت مؤسسات حكومية أو مؤسسات مجتمع مدنى.

والسؤال كيف تواجه المرأة المصرية تلك التحديات؟ لقد وضح أمام المصريين جميعاً بعد مرور ما يقرب من ستة أعوام من ثورة 25 يناير المجيدة أننا لابد أن نتحرر من قيود كثيرة فرضت علينا، وكذلك على المرأة المصرية عامة والمرأة العاملة بشكل خاص. ولكي  تتحرر من كافة القيود التى غلت حركتها وأخضعتها تماماً طوال السنين الماضية ، فإن نظرة للخلف على حال المنظمات النقابية المصرية سيضعنا أمام الحقيقة المخيفة التى كانت مفروضة على المرأة المصرية حيث تم إزاحتها تماماً من المشاركة والقيادة، وفى أحسن الأحوال أتوا بممثلين مزيفين ليلعبوا دور المرأة العاملة فى المشهد السياسى ضمن أدوار كثيرة تم تزييفها.

لذلك علينا أن نضع تلك التحديات أمامنا ونضع خطة واضحة لمواجهتها، ونضع مؤسسات الدولة والمجتمع سواء كانت مؤسسات حكومية أو مؤسسات غير حكومية أمام مسئوليتها في مواجهة هذه التحديات، والعمل على إصلاح جذرى للمناهج التعليمية لوضع برامج تعليمية تعمل على كسر ثقافة الصمت، وتشجع المرأة على المبادرة والمطالبة.

علينا أن نسمع بناتنا منذ الصغر ونخلق حلقات للحكي والفضفضة، ونذكرهن دائماً أن أصواتهن ليست عورة بل ثورة، وأنها أشعلت بهتافاتها المطالبة بالعدل والحرية ميادين الحرية، كما أننا بحاجة ملحة لإنتاج خطاب دينى صحيح ينتصر لحقوق المرأة ويؤكد دورها.

أيضاً نحن فى حاجة لتحسين أوضاع المرأة الاقتصادية والاجتماعية، وهو لن يحدث إلا بتعديل المواد القانونية التى تنتقص من حقوقها ، وبمساواتها بالرجل فى الأجر وكل معايير العمل.

وأن يواجه المجتمع بكل حزم تلك الممارسات المشينة التى تمارس فى مواجهة المرأة العاملة وعلى رأسها التحرش الجنسى بالنساء العاملات.