انتهى العام السادس بعد ثورة 25 يناير، خرج الشعب مطالبا بالعيش والحرية والعدالة والكرامة، وتنحى الرئيس مبارك وتولى جيش مصر العظيم شئون البلاد، والتحم الشعب مع الجيش تماما كما يحدث في كل مرة، وكما حدث في ثورة يوليو عام 1952م العظيمة، وبدأت مرحلة انتقالية عاصفة، بدأت بتعديلات دستورية ثم انتخابات حرة ونزيهة، واستمرت سفينة الوطن في جو عاصف من الخلافات بين النخب، ووصل الأمر إلى مرحلة مؤسفة من الصراع، ونسى الجميع مبادئ وأهداف ثورتنا المباركة في 25 يناير.

الكل كان أنانيا وطماعا وخاويا إلا من بعض أفكار وسياسات نظام توريث المخلوع، وغير مستعد لهذا الحدث الجلل، وازداد إيقاع الفوضى، وانتشرت الحرائق وأعمال العنف التي وصلت إلى ذروتها في 30 يونيو، حيث خرج الملايين يطالبون الجيش بالتدخل لحماية الشعب من هذا العبث، وأعطى الجيش إنذاراته وتحذيراته، ولم ينتبه أحد، فكان ما كان في 3 يوليو، وأعقبه ما كان في سنة الرئيس المؤقت المستشار عدلي منصور، واستمرت المرحلة الانتقالية وتم وضع دستور جديد وانتخاب رئيس جديد وبرلمان جديد.

في نفس الوقت، أصيبت المنطقة ببركان هائل من الصراع العنيف، وتدهورت الحالة الاقتصادية، وأرغمنا على القبول بقرض البنك الدولي، وتم تعويم الجنيه المصري، وعم البلاء والغلاء وازدادت الظروف الاقتصادية تعقيدا، وأصبح النفق مظلما بلا أمل أو نور خافت، وكلنا أصبحنا نضرب كفا على كف، ونتساءل ماذا بعد؟!.

أعتقد أن أمامنا فرصة أخيرة، ويمكننا اللعب في الوقت الضائع بورقة التوافق والمصالحة والعدالة الانتقالية على أسس أكثر انفتاحا وثقافة ووحدة مكونات الأمة وثقافة “المسامح كريم”، لدينا دستور ما أجمله ويحتاج فقط إلى تفعيل ولدينا رئيس من أبناء المؤسسة العسكرية الشريفة، المدرسة التي تعلمنا فيها جميعا معانى الوطنية والشرف والتضحية، ولن نقبل بغيرها حامية لمصالح الوطن من خلال مؤسسات الدولة السيادية، ولن نستطيع القضاء على التهديدات الإرهابية إلا بتضحية أبنائها..

لكن البرلمان الجديد فشل في تقديم أي حلول، وفشلت الحكومة في التغلب على الصعوبات الاقتصادية الرهيبة، وبدأنا طريق الاقتصاد الحر، وهو طريق مؤلم، فكل طبقات المجتمع تعاني من هذا العلاج المر، الكل يصرخ، وأنا أتساءل، لما لا نجعل صراخنا حضاريا من خلال قوانين مهمة جدا آن أوانها، قانون حرية تكوين الأحزاب دون منع لأي فئة، يعقبه قانون انتخابات حر ونزيه تحت إشراف المؤسسة العسكرية، لا يسمح لأي حزب بالحصول على أكثر من 30%، من مقاعد المجلس لإرغام الجميع على تشكيل حكومة ائتلافية لإدارة شئون البلاد.

وأعتقد أن الاقتصاد الحر لا يصلح أبدا في وجود أي أفكار استبدادية، الاقتصاد الحر يحتاج إلى جو عام من الحرية وتطوير كل المؤسسات الثقافية والدينية والتعليمية والصحية على أسس هذا الاقتصاد الحر، مع الوقوف بكل قوانا ضد الفساد المالي والإداري والأخلاقي، ومد شبكة العدالة الاجتماعية لحماية الضعفاء من بطش الغلاء، وجمعيات أهلية تساعد الدولة وتعمل في مجال الرحمة والعطف على هؤلاء الضعفاء.

لا يلزمنا جمعيات أهلية تعمل في مجال السياسة بقدر ما يلزمنا جمعيات أهلية تقدم الغذاء والكساء والمأوى والعلاج لطبقة أصبحت قريبة من نصف المجتمع.

حفظ الله مصر.. حفظ الله شعب مصر.. حفظ الله جيش مصر.. وأزهرها وكنيستها.