هل تعلم أن أم كلثوم، سيدة الغناء العربي، بدلت كلمات أغنيتها “الدلاعة والخلاعة مذهبي” بعد استياء عام من الكلمات، وهل تعلم أن سيد درويش، ملحن النشيد الوطني، غنى من كلمات بديع خيري، “شفّتي بتاكلني أنا في عرضك، خليها تسلم على خدك”، ولم تنتشر الأغنية لاعتبار كلماتها خادشة للحياء العام، وغنى أيضا “تلبس وتقلع شفتشي”، كما غنى محمد عبد المطلب، أغنية بعنوان “إوعى تزغزغني، جسمي رقيق ما يستحملش”، وغنت منيرة المهدية “إرخي الستارة إللي في ريحنا، أحسن جيرانك تجرحنا”، ولحن محمد القصبجي أغنية بعنوان “بعد العشا يحلى الهزار والفرفشة، إنسى اللي فات وتعالى بات ليلة التلات.
وفي عشرينات القرن الماضي، غنت رتيبة أحمد: “أنا لسه في الحب نونو”، “الحب دح دح والهجر كخ كخ”، وغنت أيضا نعيمة المصرية: “تعالى يا شاطر نروح القناطر – هات القزازة وأقعد لاعبني المزة طازة والحال عاجبني”
عزيزي القارئ لا تندهش إذا قرأت الآتي: “أغاني المهرجانات أصبحت واقعاً، ولها جمهورها الخاص الذي يستمع لها في كل مكان، وتحتل نصيباً كبيراً في حفلات الزفاف”.. تصريح للفنان هاني شاكر نقيب الموسيقيين، وفي بيان صادر عن النقابة: “نوع من أنواع موسيقى وإيقاعات الزار، وكلمات موحية ترسّخ لعادات وإيحاءات غير أخلاقية في كثير منها وأفرزت ما يسمى بـ (مستمعي الغريزة)، وأصبح مؤدي المهرجان هو الأب الشرعي لهذا الانحدار الفني والأخلاقي”. ما سبق لم يثير دهشتي لأن التخبط يعد سمة أساسية في إدارة الفن، والفن يا سادة لا يحتاج لإدارة، هو فقط تنظيم في إطار الذوق العام، ولا تندهش أيضا إذا قلت إن تاريخ الفن به الكثير من اللغط وحالة من الرفض لكلمات تغنى بها مطربين ومطربات، رغم أن السائد في تاريخ الفن المصري هو الأصالة والذوق الرفيع، ولا زلنا نتغنى به.
كل ما سبق بمناسبة ذلك النوع المنتشر من الفن والمسمى “مهرجانات”، وأؤمن بأن الفن بلا حدود وبلا قيود، ولست ضده لأنه في النهاية “فن” إن جاز لي التعبير، وله جمهوره، ونجح بالفعل، فالمقدمة ربما تعبر عن انحيازي وعشقي للفن وولعي بكل ما هو في تاريخنا الفني، ثومة وحليم وعبد الوهاب وصباح ووردة والأطرش وغيرهم من جيل العظماء، إلى أن تغذت روحي في زماننا على الحجار وذكرى وأنغام وأصالة وغيرهم من أصحاب الفن الراقي، ويطربني أي صوت جديد محمل بأصالة الماضي وجودة الحاضر الفنية والتقنية، الأمثلة كثيرة جدا وما وصلنا إليه الآن لأسباب تتعلق بسرعة الانتشار بسبب الإنترنت وسهولة التنفيذ، إضافة إلى الانتشار الرهيب لـ “التوكتوك” الذي يصدح بأغنياتهم وهي دعاية في كل مكان ولن تستطيع الهروب من الاستماع إلى ما يقولون.
بالأمس القريب كانت أغنيات قمة في الإسفاف “بسبب هجوم مستخدمي السوشيال ميديا والفنانين الكبار” ولكنها نجحت واستمرت وبالتالي ما وصلنا إليه هو نتاج طبيعي لمن يتصدرون المشهد العبثي للفن عموما، دعونا نختلف على صوت أحدهم، بعضنا سيقول صوته سيئا، والبعض الآخر سيقول: إنه لصوت رائع، فالاختلاف أمر طبيعي ووارد جدا ويبقى الحد المسموح به طبقا للسياق والذوق العام والمجتمع في يد المتخصصين، نحن نتذوق فقط “وإن افتقدنا فكرة التذوق وحل محلها الانغماس للبحث عن ألفاظ سوقية لتكون بين كلمات “مهرجان” وهي بالمناسبة كلمات نستخدمها في حياتنا اليومية حتى لا ندعي المثالية، ولكن هذا التدني الأخلاقي والفني لعدم الرقابة وللتعليم السيء والانحلال الأخلاقي، بعضنا بالطبع سيتذكر “السح إدح إمبو”، و”بحبك يا حمار” و”سيب إيدي”، و “ركبني المُرجيحة”، إلى أختك معايا وهعورك و و و … حتى فطن هؤلاء أيضا إلى أن الأسماء لها نصيب من النجاح حتى وإن كانت تحمل صبغة تنمر مثل بيكا وصرصار
ورغم وجود القانون لاتحاد نقابات المهن التمثيلية والسينمائية والموسيقية، في مادته الخامسة بحظر ممارسة أي عمل موسيقي دون عضوية أو تصريح، وإلا أصبح فاعله مهددًا بالحبس مدة تصل إلى 3 شهور وغرامة تصل إلى عشرين ألف جنيه، ولكن انتشرت هذه النوعية من الموسيقى، وأظن في أن الحل تطبيق القانون على الجميع بمعنى ألا يطبق القانون على بيكا ورفاقه دون أن يطبق على محمد سعد “أنت فين والحب فين وهش هش يا ديك” والذين تمتلئ بهم قاعات وشوادر الأفراح في المحافظات، لابد من وضع ضوابط للجميع، سواء كان مطربا أم لا، لأن المهرجانات لها جمهور والفن له جمهور، وإذا كانت هناك ضوابط صارمة عن طريق اختيار الكلمات اللائقة دون إسفاف وابتذال، وعدم الإخلال بالأخلاق العامة وهذا بحسب الدستور المصري الذي جاء فيه “عدم رفع أو تحريك دعاوى لوقف أو مصادرة الأعمال الفنية والأدبية والفكرية أو ضد مبدعيها إلا عن طريق النيابة العامة”، وفي المقابل ولأنني أؤمن بأن الفن بلا قيود يعيش ويستمر، ولأن الممنوع مرغوب سينتشر في الخفاء، والمنع سينتشر أكثر وبقسوة وعنف ويحدث خللا في التركيبة المجتمعية.
دعونا نلقي نظرة عن قرب لهؤلاء الشباب الذين نجحوا في نشر ما يسمى بفنهم الخاص في كل مكان، بيكا وصرصار وحنجرة وشطة، هي أسماء لو عاشت آلاف السنين لم نكن لنعرفها، ربما لاختلاف الطباع والنشأة والتذوق الفني، ومن الممكن أن نتعامل معهم في مهنهم الشريفة “سائق توك توك” “كهربائي” “نجار”، وجدوا طريقهم في موسيقى “مهرجانات” على كلمات من قلب مجتمعنا، فوصلوا إلينا لسبب بسيط جدا وهو أن منتقديهم يقسون عليهم بل ويسخرون منهم شخصيا ومن كلماتهم بحالة من التعالي، في حين أننا نصفق بشدة ونتراقص على ما يقولون في كل مناسباتنا، فهل يوجد أحد فينا يصفق ويتراقص في أفراحه على أم كلثوم أو عبدالوهاب أو حتى مطربي الجيل الحديث، دعونا من الازدواجية ونبذ الآخرين لمجرد أن شكلهم أو ملبسهم أو كلامهم يختلف عنا، هي بيئتهم التي تربوا فيها ولم يغيروا جلدهم، والأمر يرتبط فقط بأننا جميعا لدينا لحظات الفرح ويصاحبها الأغاني ذات الإيقاعات الراقصة، هم ومحيطهم لم يفهموا أبدا كاظم أو أغاني علي الحجار وغيرهما، كل ما أتمناه أن نعيد التفكير في الغناء الشعبي الأصيل الذي كان يطربنا ويصاحبها في أفراحنا وهو دور الفنانين ونقابتهم، ولا تلوموا حنجرة وكسبرة، رغم تأكيدي التام على عدم معرفة ما يقولون، فقط أفرح مع الفرحين.
ليس دفاعا عنهم بقدر ما هي دعوة للنظر بعين العقل إليهم، ولنتأكد أن الإنترنت لن يمنعهم من الغناء وحصد المزيد من النجاحات المرحلية والمادية ولنجيب على الأسئلة الآتية:
1- ماذا لو تم منعهم واستمروا في حفلاتهم خارج مصر؟
2- لو تم وضع ضوابط لضمان عدم العبث بالثوابت الأخلاقية؟
3- ماذا لو تم تطبيق القانون على مطربين ومطربات الأفراح الشعبية في القرى والنجوع؟
4- ماذا لو تساوى الجميع أمام قانون النقابة؟
5- ماذا لو تم عمل إعلام توعوي ليس بغرض إحراجهم والسخرية منهم وإحضار ضيوف لمهاجمتهم؟
6- ماذا لو ضمتهم النقابة لمدة تحددها لهؤلاء الشباب للحصول على دورات تثقيفية وفنية والناجح يحصل على ترخيص؟

هناك عشرات الأسئلة ومواجهة الأزمة إن كانت أزمة أفضل من مهاجمتها لأن الخاسر الوحيد هو الجمهور المصري.
دعوهم يطلقوا مهرجاناتهم ودعونا نختار ما يناسبنا.