الابتكار في مدينتي يحتاج إلى تشكيل لجان، ينبثق عنها لجان أخرى فرعية، تجتمع وتنتهي لتقارير تستكين وتستريح في أدراج المسؤولين، هكذا تقتل الأفكار في بلادي، ولن تلمس تطبيق حقيقي لأية مشروعات خدمية، ربما سيكتفون بأعمال طلاء “البردورات” وغسل الأرصفة وتخريب الأسفلت لإصلاح ماسورة مياه أو صرف صحي، ثم إعادتها مرة أخرى بإنتاج مطبات عشوائية تحصد في أرواحنا، وتهلك السيارات، وتؤدي إلى زحام لا يطاق.

بالأمس القريب، زادت أسعار البنزين، فزادت أسعار المواصلات “سيرفيس داخلي وتاكسي و”توك توك”…” دون انتظار لقرار محافظ الدقهلية بتحديد تسعيرة، فزاد الزحام زحاما، واحتدمت المعارك في المواقف، إلى أن صدر القرار الخاص بالتسعيرة، ولم يلتفت أحد من دولة السائقين لما صدر، فلا زالوا يقسمون خط “جديلة – الجامعة” إلى ثلاثة محطات، وكل منها بجنيه، أي يقف سائق السيرفيس من أمام جامعة المنصورة وينادي “التباع” المحافظة، ثم يجبر الركاب على النزول، وينادي على آخرين قائلا: معسكر جديلة، ويجبر الركاب على النزول، ثم يصعد آخرين إلى المحافظة، وهكذا في  كل الخطوط، والمسؤولين، يتابعون مشروعات “المطار والمترو والأتوبيس النهري”، دون حلول حقيقية لأزمات “السيرفيس” و”التوك توك” و”التاكسي” بل إصلاح حال الطرق المتهالكة.

في المنصورة مدينتي، محافظ ومدير أمن ومدير إدارة مرور ورؤساء أحياء وجيوش من الموظفين والإداريين والضباط والأمناء والمخبرين وأفراد الشرطة، فشلوا في القضاء على أزمة الزحام الخانقة، فشلوا حتى في السيطرة على سائقي خطوط “السيرفيس” الذين أقاموا دولة لأنفسهم، لها قوانينها الخاصة، يقسمون الخطوط بحسب أهوائهم، يزيدون الأجرة كلما أتيح لهم، يضربون الركاب، ويتجاوزن لفظيا في حق كل من يعترض، ويضمنون الإفلات من العقاب لأن باقي الركاب قد “يطبطبون” على الطرفين، بل ويتخذون جانب السائق و”التباع” أحيانا حتى لا يتعرضون للبطش، وهم على يقين بأن أحدا لن يعاقبهم، وإذا حدث وعوقب أحدهم، فالعقاب غير رادع وسيعود إلى ما كان عليه مرة أخرى.

المطار والأتوبيس النهري وأخيرا المترو.. بالطبع لا أقصد التقليل من الطموحات التي لم تتحقق، ولست أيضا من المتشائمين، فقط نرغب في حركة مرورية سلسة، ونرغب في إصلاح الطرق، وعقاب كل سائق مخالف، ونتمنى أن يخرج الجميع صباحا ليجد وسيلة مواصلات آمنة، والحماية اللائقة من المرور، ولتعلم يا محافظ الدقهلية أن الجميع يصب جام غضبه ولعناته ودعواته على كل مسؤول في مدينتنا، فالجميع يتأخر عن مصالحه، ووصل بنا الحال إلى ضرب السائقين وتابعيهم “التباعين” المعترضين على تقسيم الخطوط أو زيادة الأجرة.

يا محافظ الدقهلية، قبل أن تنفق الأموال على اللجان والدراسات والمشروعات الكبرى، فكر في إصلاح الأساس.. أصلح الطرق وطبق عقوبات رادعة على السائقين، ثم فكر في المشروعات الكبرى، قبل أن تصبح هي الأخرى عبئا علينا جميعا، وأتصور أنه في حال إنشاء مترو، ستختنق المدينة أكثر مما هي – رغم حلمي وحلم الجميع بأن يكون لدينا مترو- فمدينتنا بها أربعة شوارع رئيسية، الجيش وقناة السويس وعبد السلام عارف والجامعة، وإذا بدأ الحفر في أي منهم دون بديل، لن تجد سوى التكدس وامتلاء أقسام الشرطة بالمتعاركين على المواصلات، وإلى أين وصلت اللجان من مشروع المطار؟! أما الأتوبيس النهري الذي انطلق فقط في أحلام تم بثها لمشاعر المواطنين، فأتصور أننا سنجد أن المسؤولين عنه يقسمون الخطوط بلا رادع ويتعاركون مع المعترضين بلا رادع، لأن المسؤولين طرقهم رائعة وبلا أي عوائق فلن ينظروا إلينا.

أعلم أن مدير أمن الدقهلية يتابع بنفسه قضايا مختلفة في الشارع، ولكن لا أعلم سر التجاهل لدولة السائقين التي تتحكم في الجميع، وأتمنى عليه أن يخرج دون إخطار لإدارة المرور، ويختار مناطق معينة ليشاهد بنفسه، مثل جديلة والجامعة والدراسات والمجزر والاستاد وقناة السويس، باختصار اختر أي مكان في المنصورة وشاهد بنفسك، هل ترضى بإذلال وإهانة طلاب المدارس والجامعات؟! هل ترضى ببطش دولة السائقين بالمواطنين؟!

ولو توجهت إلى مدير إدارة مرور الدقهلية بشكوى هل سيحقق فيها؟ وإذا انتهت الشكوى بعقاب السائق، هل سيحصل على عقاب رادع؟ وإذا طالبته بتسيير الحركة المرورية هل سيستجيب؟ وإذا طالبته أيضا بأن يخرج من مكتبه ولو مرة أسبوعيا ويشاهد بنفسه معاناة الطلاب والطالبات والموظفين والجميع صباحا، المشهد المأساوي واستجدائهم عطف السائقين ليسمحون لهم بالركوب، وليشاهد بنفسه أيضا المعارك المستمرة بين دولة “السائقين” والمواطنين؟! وأعلم أنه يخرج ولكن في جولات المحافظ فقط، ويسبقها ترتيبات من رجاله ليكون كل شيء على ما يرام.. هل سيستجيب!!

أيها المسؤولون، كفانا أحلاما على الورق، كفانا مذلة ومهانة من السائقين، احترموا عقولنا، فالمحافظ ومدير الأمن ومدير إدارة المرور لديهم شاشات يشاهدون من خلالها الأزمات والزحام والمعاناة اليومية، ويعرفون كل ما يدور ولا أدري سببا للتجاهل!