قرأت يوما عن فتاة تنتمي لأسرة عريقة، كان حلمها أن تتزوج من شاب تحبه وتنجب أطفالا وتتربع على عرش مملكتها الأسرية الصغيرة، كبر الحلم معها لشدة تعلقها بروايات الحب وعشقها للأطفال، وأثناء قراءتي كنت أدرك أن النهاية لن تكون مأساوية مثلما تعودنا، ولكن لأن القصة حقيقية كانت النهاية بلا تصنيف حقيقي، شعرت حينها أنها نهاية سعيدة ومأساوية كونها تحمل كل تناقضاتنا، نهاية تشبه بكائنا من الفرحة، أو رقصنا من شدة الألم.

تزوجت الفتاة من شاب ينتمي لعائلة مرموقة، أحبها حبا جما، مر الوقت سنوات تجر أخرى، لم تنجب، انطفئت شعلة الحب لعدم قدرتها على الإنجاب، ضغطت أسرة زوجها كي يتزوج بأخرى لينجب الأطفال، أصيبت الزوجة بالجنون لأن أحلامها لم تتحقق، لا الحب ولا الأطفال ولا مملكة زوجية فقد انهار كل شئ .

أودعتها أسرتها مستشفى لمعالجة ما أصابها من لوثة بالعقل، كل من زارها بمشفاها يخرج باكيا، لأنهم كانوا يرونها تحمل لفافة من ملابسها وكأنها طفلها الذي أنجبته لتوها، تنظر إلى اللفافة “طفلها الافتراضي” وتدلله وترضعه افتراضيا وهي مقتنعة، تتحدث إلى الفراغ عن قصة حبها لزوجها وعن طفلها الجميل الذي تنجبه صباح كل يوم، امتلأت غرفتها باللفافات، وبالزينة التي غطت غرفتها وكأنها حقا مملكتها الزوجية.

غضبت أسرتها كثيرا وطالبت الأطباء بعلاجها بأي ثمن، تدخل أحد الأطباء المعالجين قائلا: لو كان بيدي أن أعطيها عقلا جديدا ما فعلت! فهي الآن أسعد امرأة في العالم لأنها تحقق كل ما تريد، تنجب، تفرح، تحب زوجها، لديها مملكتها، فلماذا ترغبون في ضمها لعالمنا القاسي؟!

انتهت القصة ولم تنتهي قصتنا نحن، هنا لا أقصد ضرورة جنوحنا للجنون من أجل تحقيق أحلامنا افتراضيا، بل أقصد أن قليل من الأحلام سيخرجنا لعوالم أخرى من الآمال والتطلعات، ورغم أن أحلامنا لا تتحقق، لا نجد مكانا فارغا في كل مشافي الصحة العقلية، لقد امتلأت عن آخرها بالحالمين، لذا نغرق يوميا في محاولاتنا للهجرة الغير شرعية، ننضم إلى أحزاب وهمية لا تحقق من السياسة شيئا، نفتتح محلات لنبدأ مشروعاتنا الصغيرة ونغلقها سريعا لأن كل أجهزة الدولة تطالب بالتراخيص التي يحصل عليها القليل بشق الأنفس أو بـ “الواسطة” ، وإلا تفاجأ بحملة إزالة، ثم ضبط أغذية غير صالحة وضرائب وتموين وغيرهم الكثير والكثير، وتناسوا أن الشباب تخرجوا لتوهم وأنهوا دراساتهم وليس منهم خبير في التراخيص وفي الكشف عن الأغذية، وقد يعرفون أن الرشوة هي الطريق الوحيد للاستمرار.

يتخرجون من الجامعات حالمين بمستقبل مشرق، ويفاجئون بالبطالة والفقر، تنعدم ثقتهم، يبحثون عن أحلام السفر، يصطدمون بواقع مرير، يبحثون مرة أخرى عن هجرة غير شرعية، ومنهم من يقول “حتى لو واجهت الموت فهو أفضل من الواقع المرير الأشبه بالموت حقا، وإذا فشلوا يواجهون في بلادهم عدم مقدرة المؤسسات الحكومية على استيعابهم، تضيع قدراتهم وتغلق أمامهم فرص المشاركة الحقيقية، فيجدون الطريق الأسهل ـ الإرهاب والإرهابيين ـ بدعوى أنهم “كدة كدة ميتين” يفجرون أنفسهم بلا خوف فالموت واحد، وآخرين يتجهون إلى الجنون.

أذكر في تسعينيات القرن الماضي، حادث انتحار لشاب كان خريج حديث من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وظل يردد بصوت عال “مرتبي 300 جنيه والجزمة بـ 200 جنيه والباقي يعملوا إيه؟ وقفز من فوق كوبري جديلة بالمنصورة ورحل عن عالمنا تاركا لنا الخزي والعار لأننا في مقاعد المتفرجين دون رؤية واستراتيجية حقيقية لإنقاذهم.

يا مسؤولين، أصلحوا من أنفسكم، ينصلح حال شباب مصر، لا تقطعوا مصادر رزقهم، أوجدوا بدائل لحمايتهم ومساعدتهم، بثوا فيهم الشعور بأنكم بجانبهم تهتمون بهم، ولستم ضدهم لأنهم أمل ومستقبل.

لا تقودوا الشباب إلى الجنون حيث لم يعد هناك مكان لقدم، فأصحاب الأحلام يحققون أحلامهم هناك فقط.