رغم رفض المجتمع.. “سمر” تركت “الترجمة” لتصبح “كهربائي نقل ثقيل”

كتب – مي الكناني، محمود سيد الأهل

تصوير – محمود الحفناوي

وسط سيارات النقل الثقيل تنهمك فتاة عشرينية في عملها، غير عابئة بالنظرات الرافضة لها، وهمهمات تردد “إزاي بتشتغل كهربائي سيارات”.
يداها مشحمتان، في يمينها “مفك” ويسارها “مفتاح”، تغوص في أعماق السيارات وتسبح بين مكوناتها، ثم تصيح “جرب كدا يا اسطى” لتفاجئ الجميع وتتعالى الفرحة ويرددوا “الله عليكي يا بشمهندسة تسلم إيدك”.
سمر الحاصلة على ليسانس الآداب قسم اللغة الإنجليزية، ثم دبلومة الترجمة، قررت تغيير مسار حياتها لمهنة، حيث تقول إنها تعشقها، فأصبحت “كهربائي سيارات” ناجح، لكن ليست أي سيارات بل النقل الثقيل فقط.

النشأة

نشأت سمر وسط أسرة بسيطة تعمل أغلبها في النقل الثقيل، فوالدها سائق، دائمًا ما يواجه مشكلات في سيارته، فيدخل إلى منزله ويحضر عدته وينادي نجلته لتقف بجواره وتشاهد ماذا يفعل، حيث تقول “باركز في كل حركة وكل حاجة بيعملها”.
انقسمت أسرة الفتاة الطموحة لفريقين، الأول يضم والدها ووالدتها، ويشجعها على خوض التجربة الصعبة، أما شقيقها فقاد الفريق الثاني وكان من الرافضين خوفا عليها من صعوبة المهنة والمضايقات، بجانب العادات والتقاليد التي تحكم تصرفات الإناث.
لم تكترث الفتاة للكلمات المحبطة التي كان تسمعها دائما لتثنيها عن طريقها، فالتحقت بالعديد من الورش، لكن لم يكن طريقها سهلا، فنالت من السخرية ما يكفيها لتتراجع عن تلك المهنة الذكورية، لكنها لم تيأس، فتشجيع والديها ومثابرتهما لها كانا داعمها الأول والأخير.
أول عمل
مسيرتها بدأت منذ عامين فقط داخل مدينة كفر الزيات بمحافظة الغربية، بعدما تركت عملها الأول وعرض عليها والدها فحص سيارته، ومنها انطلقت في بحر لم تصل بعد لنهايته، “جبت كتب وبدأت أذاكر، وروحت تدريبات كتيره بس مكنوش بيتهموا بيا علشان بنت، ونزلت أكتر من ورشه لحد ما قبلت مهندس هو اللي علمني، واداني دورة كاملة وبقيت بعرف أفحص بالكمبيوتر”.
تركت الفتاة العمل بمدينتها، ولجأت لإحدى الورش على طريق المنصورة – جمصة، هربًا من الملاحقات التي كانت تنتهك سمعتها، “إزاي بنت بتشتغل مع ولاد، وإزاي بترجع بالليل، وإزاي بتقعد على كافيه تتفرج على كورة، أكيد دي بتعمل حاجة مش كويسة، وبدأوا يطلعو عليا كلام مش كويس، لكن أمي دايما تقولي الشجرة المثمرة يقذفها الناس بالحجارة، لو أنا مش ناجحة مكنش حد ركز معايا، حسسوني إني عملت جريمة لما نزلت اشتغلت”.
ضربت الفتاة العشرينية مثلا في إيمانها بموهبتها، “دخلت الورشة وسط الشباب والرجالة، وكنت أحارب من أجل الوصول لهدفي، فمجال كهرباء السيارات واسع وكبير، وأتمنى التعمق فيه”.
مرت البشمهندسة سمر ببعض المواقف الغريبة، تتذكر منها “زبون رفض إني أصلح عربيته لأنه حالف ما يدخلها ستات، بس صممت وقلتله هصلحها وبيعها لأن مفيش حد هيمد إيده فيها غيري”.
حصلت سمر على شهادة خبرة بتقييم “ماهرة” خلال اختبارات مديرية القوى العاملة، لتكن أول فتاة تحصل على تلك الشهادة ولم يتجاوز عمرها 22 عامًا، “المفروض محدش ياخدها قبل 35 سنة، لكن ربنا وفقني”، واستطاعت استخراج كافة الأوراق التي تثبت عملها وتغير مهنتها في بطاقتها الشخصية إلى “ميكانيكي سيارات”.
لم تهمل أنوثتها 
وعلى الجانب الآخر من شخصية البشمهندسة سمر، نجد فتاة تهتم بكامل أناقتها من لبس ومكياج ومانكير، “بحب كل حاجات البنات، وعمر ما شغلي أثر على اهتمامي بنفسي”.
وتتبع سمر مبدأ “لكل مقام مقال” فأوقات العمل لها ملابس ومظهر معين، وفي غير ذلك فهي أنثى مثل باقي الإناث، “كل حاجة ليها وقتها، وبعد الشغل ببقى زي كل البنات، وفي الأفراح الناس مابتعرفنيش، ببقى متغيره عن الشغل خالص، بردو شغلي مش هخليه ياخد من أنوثتي”.
أما عن الحب والارتباط، فتقول “حياتي طبيعية، بفكر في الحب والارتباط، واتمنى اخوض التجربة دي مع شخص يقدر اللي بعمله، ويساعدني ويشجعني أحقق حلمي، ويبقى ماشي جمبي فخور بيا واللي عملته، بيتقدملي كتير بس بيشترطوا أبطل شغل، وأنا عمري ما هتخلى عن حلمي ومستقبلي”.
تحلم الفتاة الجامعية بتطوير ذاتها، وعلى الرغم من ذلك لم تلق دعمًا من الداخل لكونها “أنثى” ما دفعها للتفكير في السفر للخارج، أملًا في العودة وإنشاء مركز صيانة خاص بها، يضم قسم لتدريب الإناث، لتعطي درسًا للجميع أن المهن الصعبة ليست للذكور فقط، “البنت تقدر تعمل كل حاجة وأحسن من الولاد كمان”.

الوسوم