ولاد البلد

الفرصة الأخيرة.. حكاية فتاة تحدت العادات لتصبح أشهر رسامة جداريات بالمنصورة

الفرصة الأخيرة.. حكاية فتاة تحدت العادات لتصبح أشهر رسامة جداريات بالمنصورة ياسمينا تنفذ إحدى الجداريات في المنصورة

عندما التحقت ياسمينا عابد بكلية الحاسبات والمعلومات، لم تشعر مثل أي فتاة بفرحة الانتقال من الثانوية إلى الجامعة، بل على العكس من ذلك تماما كانت تشعر  بالحنق من كل شئ، فقط كانت كل يوم تستعيد ذكريات نحو 15 عاما مضت عندما تعلقت بالرسم للمرة الأولى وهي طفلة صغيرة وكيف ضاع هذا الحلم بعد منعها من الالتحاق بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة وإجبارها على دراسة مجال لا ترغبه بكلية الحاسبات والمعلومات بجامعة المنصورة.

“كنت أتوجه من منزلي إلى الكلية يوميا وأنا غاضبة من كل شئ، كارهةً كل من حولي، حانقةً على كل الأعراف والتقاليد البالية، حتي تمنيت أنني لم أولد فتاة، لا أتحدث مع احد ولا أتجاوب مع الواقع” هكذا تصف ياسمينا عابد شعورها في مرحلة الجامعة.

إحدى جداريات ياسمينا بمطعم فراكيشو فودز
إحدى جداريات ياسمينا بمطعم فراكيشو فودز
بداية موهبة

لا تزال ياسمينا تذكر بداياتها مع الرسم بينما كانت في المرحلة الابتدائية وكيف كانت الألوان واسكتش الرسم هما مصدر سعادتها الوحيدة.

“كنت أجلس في غرفتي بالساعات منذ صغري وحولي أوراق رسوماتي الملصقة على الحوائط أرسم وأرسم،  فيسرقني الوقت حتى تدخل أمي لتضعني في سريري وتطفئ الأنوار، فأفتح مصباحي الصغير ذي البطاريات الضعيفة والضوء الخافت وأضعه تحت غطاء سريري وأكمل الرسم حتى يغلبني النعاس” تقول ياسمينا.

كان والد ياسمينا يخشى أن يؤثر الرسم على مستقبلها الدراسي، رغم تشجيعه لها بإحضار متطلبات الرسم من الألوان والأوراق، لكن كعادة أي ولي أمر كانت المدرسة والتعليم هما أهم شيء.

مقر صناع الحياة
مقر صناع الحياة

ورغم ذلك لم تستسلم ياسمينا، إذ كانت ترسم على أي شئ يمكنها الرسم عليه “كنت أرسم على كتبي الدراسية وديسك المدرسة وكراسات المواد وجدران المنزل وحتى ملابسي ذات اللون الواحد”.

وهكذا مرت أيام الابتدائية والإعدادية، وهي متعلقة بموهبتها الوحيدة، تحاول تارة إرضاء والديها لاستذكار دروسها، وتارة أخرى تسعى لإشباع رغبتها بالرسم على كل شيء وفي كل الأوقات، إلى أن جاءت مرحلة الثانوية.

إحدى الجداريات في لادولشي فيتا كافيه
إحدى الجداريات في لادولشي فيتا كافيه

حلم لم يكتمل

بمجرد دخولها الثانوية، أصبح هناك حلم واحد للفتاة الموهوبة، وهو الالتحاق بكلية الفنون الجميلة، فاجتهدت في دراستها لتأخذ خطوات فعلية في طريق مستقبلها لأنها وسيلتها الوحيدة التي تقربها من هذا الحلم، وبالفعل أنهت الثانوية العامة بمجموع يمكنها من الالتحاق بالكلية، لكنها تلقت ضربة موجعة كادت تنهي حلمها للابد.

“عندما ظهرت نتيجة التنسيق أمسكت بيدي جواب القبول بكلية الفنون الجميلة.. كنت أبكي من شدة الفرح وأركض لاحتضن والدي، وأسجد لله شاكرة على قبولي بالكلية” لكن سعادتها انقلبت فجأة بعدما رفض والدها أن تسافر إلى القاهرة لأنها علي حد قولهم “فتاة” ولأن الأعراف والتقاليد لا تسمح لها بأن تعيش بعيدة عن أسرتها بمدينة المنصورة.

جدارية في ريست كافيه
جدارية في ريست كافيه

مرت أعوام الكلية علي ياسمينا طويلة ومملة وغير مشبعة لروحها وشغفها الكامن بداخلها، وقد كانت تحاول التغلب على رغبتها في العودة للرسم، دون جدوى، فقد كانت لا تشعر بنفسها إلا وهي تغوص في شبكة الإنترنت باحثة عن تعليم الرسم والاضطلاع على أبحاث الفن التجريدي ورسم الجداريات كهواية فقط، إلى أن أنهت دراستها في الجامعة، وبدأت تتجه للحياة العملية.

 عندما تخرجت ياسمينا من الجامعة، كان والدها يعلم مدى تعلقها وشغلها بالرسم، فنصحها بأن تعمل معلمة رسم بأحد المدارس، فوافقت على أمل أن تجد نفسها مرة أخرى في هوايتها الوحيدة، لكن “تدريس الرسم لم يكن ما يشبع شغفي، فقد كنت أريد أن أتخلى عن لقبي كمعلمة وأجلس مع الأطفال حول الطاولة أرسم معهم، فتركت العمل”.

جدارية في جامعة حورس
جدارية في جامعة حورس

صدفة وفرصة أخيرة

مضت الأيام ثقيلة جدا على الفتاة التي كانت ترى حلمها يضيع من بين يديها، إلا أن قادتها الصدفة إلى لقاء مع صديق لها يسألها عن رسوماتها التي شاهدها قديما ويسألها إلى أين وصلت في حلمها، لتخبره بتوقفها عن الرسم.

هنا جاءت نقطة التحول في مسار حياتها، حينما عرض عليها صديقها أن ترسم جدارية لأحد المحال بمنطقة المشاية بمدينة المنصورة فترفض الفتاة وينتابها القلق والخوف لكونها لم تعمل على جداريات من قبل، لكنها تعلقت بالفرصة الأخيرة التي يمكن أن تعيدها للرسم، فوافقت على استحياء.

“كنت أرسم اولى جدارياتي بأيادٍ مرتعشة وقلبٍ سعيد بالتجربة، كنت أستمع إلى تعليقات من بعض الشباب يلقبونني بالنقاشة وكأنها وصمة.. كانوا يتجمهرون حولي ويعرضون سخافاتهم دون مراعاة لشعوري، فوضعت سماعة هاتفي في أذني واستمعت إلي مزيكتي المفضلة وأكملت رسمي” تقول ياسمينا.

أو جدارية لياسمين في محل ملابس
أول جدارية لياسمين في محل ملابس

وبمجرد انتهائها من رسم الجدارية، فوجئت ياسمينا بسيل من الثناء والإعجاب على رسمتها، وعلى الفور اتصلت بأسرتها وهي لا تزال في موقع الجدارية لتأتي وتشاهد رسمها، “طلبت من أبي وأمي وأشقائي الحضور ، وما إن حضروا حتى ركضت علي أبي وأنا أبكي وأخذته من يده وتوجهت إلي الجدارية وخلفي أمي وأشقائي،  وقد انبهر الجميع بها، بل كانوا في حالة ذهول وعيون مترقرقة بالدموع، وأخذني أبي بين أحضانه واعتذر لي على عدم إيمانه بموهبتي يوماً ما ووعدني بالتشجيع وأن يمدني بكل ما أحتاجه لتنمية هذه الموهبة”.

في تلك الليلة كانت سعادة ياسمينا غامرة، فبخلاف اعتراف الجميع، لاسيما أسرتها، بموهبتها، فوجئت بصاحب المحل يقدم لها مبلغ ٥٠٠ جنيه، ثمن رسم الجدارية، “كان أول مال تصنعه موهبتي وما زاد سعادتي أنه لم يكن في الحسبان”.

 أخيرا بدأ مستقبل ياسمينا يتكشف، فقد بدأت تأتيها بعض العروض الصغيرة ممن رأوا جداريتها الأولى، ومن رسم جدارية بعد الأخرى، قررت الفتاة أن تنمي هذا الفن وتحوله إلى مسار أكبر من مجرد موهبة فأنشأت صفحة على “فيسبوك” أسمتها  “فرشة زرقا” ووضعت عليها بعض رسوماتها في الفن التجريدي والجداريات، لتنهال عليها العروض حتى بدأت تتنافس مع الأسماء الكبرى في هذا المجال، خاصة وأن أسعارها زهيدة مقارنة بالآخرين، فأسعار الجداريات مثلا تتراوح بين ١٠٠٠ و ١٥٠٠ جنيه ولوحات الفن التجريدي بين ٥٠٠ و ١٠٠٠ جنيه.

جدارية في عيادة أسنان
جدارية في عيادة أسنان

النجاح والمستقبل

في الثالثة والعشرين من عمرها، وبعد سنتين فقط من إتمام دراستها وبدء العمل برسم الجداريات، ذاع صيتها وتهافت الجميع على ياسمينا من محال ومطاعم وكافيهات بمدينة المنصورة لترسم لهم لوحات وجداريات، حتى أصبح لها جدارية بكل مكان بالمنصورة لتصبح أول فتاة تحمل لقب رسامة جداريات بالدقهلية.

في النهاية اكتملت فرحة ياسمينا بعد أن حققت رغبتها التي طالما واجهت عقبات في سبيل تحقيقها، لتنتقل إلى حلم جديد مع الرسم وهو دراسة الفن بالخارج، “وأن يكون لي جدارية بكل مكان بالعالم حاملةً فني واسم بلدي الي أبعد بقاع الأرض”، مختتمة بقولها “أهم حلم عندي هو أن يتصالح المجتمع مع الفن حينما ينسب للإناث، وأيوه أنا نقاشة”.

الوسوم