اقتحام حصن “تبة الشجرة”.. مهمة مستحيلة في حرب أكتوبر

اقتحام حصن “تبة الشجرة”.. مهمة مستحيلة في حرب أكتوبر محررة ولاد البلد مع الرقيب حسن عجوة- تصوير: محمود عبد المنعم

حرب أكتوبر هي اقتحام خط برليف المنيع.. هذه هي الصورة الذهنية العالقة بأذهان الجميع عن حرب الشرف والكرامة في عام1973، لكن بالنسبة للرقيب حسن عجوة، هي حرب اقتحام حصن “تبة الشجرة” الذي يعد أقوى الموانع بعد خط برليف، إذ يمكن لجندي واحد داخله القضاء على كتيبة بالكامل، وهو ما جعل من اقتحامه “مهمة مستحيلة” يرويها أحد شهود العيان الذي كان دوره تطهير الحصن من الألغام قبل اقتحامه.

“لن أتحدث هذه المرة عن خط بارليف لأن هناك موقعة مهمة جدا قد يكون البعض لا يعرفها أو يعلم عنها شيئا تسمى موقعة تبة الشجرة” هكذا بدأ العجوز ذو السبعين عاما، حسن عجوة، أحد أبطال حرب أكتوبر، ابن مدينة المنصورة، حديثه عن هذه الموقعة، بحماسة شديدة، لم تمنعه سنوات عمره من تذكر تفاصيل هذه العملية، التي كانت بحسبه مهمة مستحيلة ، ومثلت فارقا كبيرا في مجريات الحرب، ورغم ذلك لم تأخذ حقها جيدا في الإعلام بالنظر لصعوبتها.

مهمة مستحيلة

يقول عجوة “كان حصن تبة الشجرة أحد نقاط تفوق العدو، وكانت إسرائيل دائما تقول إنه ثاني أقوى حصن بعد خط بارليف، لأنه كان بمقدور جندي إسرائيلي واحد داخله أن يدمر جيش بأكمله، لشدة تحصيناته وإحاطته بالألغام من كل جانب، وهو ما بدا للجميع وقتها مهمة مستحيلة لاقتحامه”.

ويشرح العجوز أسباب قوة الحصن مشيرا إلى أن طوله كان حوالي 3 آلاف متر وعرض جداره 80 سم، ومن الخارج مبني من حجارة، وليس من تراب كخط بارليف، ويعلو عن سطح قناة السويس بحوالي 72 مترا، والأهم من ذلك أن إسرائيل كانت تبني حوله ما يسمى بـ”تبة السبعات” وهي عبارة عن خندق على شكل “زجزاج” ليصعب اقتحامه تماما، ففي حالة أي هجوم يسقط المهاجم في الخندق فورا.

ويعود البطل السبعيني قليلا إلى الخلف حيث استعداد القوات المسلحة لاقتحام جميع حصون العدو، مشيرا إلى أنها كانت تعلم بهذا الحصن جيدا وبتحصيناته القوية، لاسيما الألغام حوله، ومن هنا كان لابد من تدريب بعض القوات على إزالة الألغام.

“كنت رقيب أول، فقد التحقت بالجيش في عام 69 وجاء حظي في سلاح المهندسين، والتحقت بـ 12 فرقة، أولها كانت فرقة المفرقعات وتعلمت خلالها زرع ورفع الألغام لتسهيل عملية العبور” يقول عم حسن.

كان التدريب الجيد هو الضمانة الوحيدة لتحقيق النصر، وعلى أثر ذلك يقول “قبل الحرب بـ 3 أشهر قام القادة بأخذنا لفرقة تسمى فرقة الكباري وغرضها التدريب، وكانوا يقسموننا لفريقين فريق مصري وفريق آخر وكأنه العدو الإسرائيلي، وفي آخر أسبوع من التدريب فوجئنا أن الفريق الأخر الذي كان يقوم بدور العدو يطلق علينا طلقات حية، فسألت الضابط المسؤول: أليس هذا تدريبا؟ فكان رده: أنا لدي أوامر من المشير. وفي هذا اليوم علمت بأننا سنخوض حالة حرب قريبا وأننا نستعد لشئ كبير”.

في مساء 7 أكتوبر، صدرت الأوامر من القادة باقتحام الحصن المنيع، الذي كان يبعد عن خط بارليف بحوالي 11 كيلو، بحسب الرقيب، مضيفا “استغرقنا من الساعة 9 مساء وحتى الساعة 10 صباحا وهو الوقت الذي شمل السير والاقتحام وفك الألغام وتبادل إطلاق النيران بين الجيش المصري والإسرائيلي” لتبدو صعوبة المهمة بالنظر إلى أن خط بارليف لم يحتاج أكثر من 6 ساعات فقط لاقتحامه.

وحول هذه العملية يقول عم حسن “تعد الموقعة من أقوى المعارك التي دارت بين الجيش المصري والجيش الإسرائيلي، وأنا كنت من ضمن الناس الذين يرفعون الألغام التي كانت تحيط بالحصن، وكانت ألغام الأفراد تختلف كثيرا عن ألغام الدبابات؛ لغم الفرد كنت بنفسي أقوم برفعها بواسطة أجهزة خاصة ترشدني عن مكانها وأقوم بعدها بفك هذه الألغام وإزالة البارود وأعطي إشارة لباقي الجنود بالدخول وأن المكان آمن، وكانت هذه مجازفة كبيرة جدا، كنا نرى الموت بأعيننا”.

ويلتقط الرجل أنفاسه، كما لو كان لا يزال في الحرب، متذكرا موقف لا ينساه، وهو يعود للحديث “كان لي أحد الزملاء يحمل (أر بي جي) وأثناء استخدامه له صدر منه نتاج حراري من الخلف فأصيبت قدمي، ولكني لم أشعر وتحملت الألم، فوقت الحرب لا يشعر أي جندي بشئ لأن كل مايهمه هو استرداد أرضه”.

لا ينسى “حسن” هذه اللحظات، ولا زميله الذي انفجر فيه أحد الألغام، وآخرين استشهدوا برصاص العدو، “لكن لم نستسلم وكان دائما في بالنا إن لم ننتصر ستحتل إسرائيل مصر وكل منزل مصري سيتواجد بها اسرائيلي ولم نتحمل هذه الفكرة أبدا”.

أخيرا تحقق النصر، وتم اقتحام الحصن بعد بسالة في القتال لم يعرفها جيش، وبدأت القوات المصرية في دخول الحصن.

الكنز يُفتح

“كان الحصن كنزا لنا” يقول المحارب مشيرا إلى أنهم أسروا داخله نحو 113 جنديا إسرائيليا ودبابتين وأسلحة، “اكتشفنا وجود غرف نوم وعمليات وبها وثائق وخرائط واتصالات لاسلكية، جعلت القيادة على علم بخطط العدو، وتم جمع هذه الأحراز ووضعها في متاحف بسيناء وأصبحت مزارات، واخيرا تم رفع علم مصر أعلى الحصن”.

ومن شدة أهمية هذا الحصن، استمات العدو في الدفاع عنه ومحاولة السيطرة عليه مجددا، فقد “فوجئنا بأن هناك مناورات تتم من قبل الجيش الإسرائيلي بواسطة الدبابات خارج الحصن وإطلاق النيران علينا ولكن الجيش المصري بكل طاقته قام برمي المدفعيات والصواريخ عليهم وتمكنا من الانتصار عليهم، وأخذت عصا من ضابط إسرائيلي أسير كذكرى لا زلت أحتفظ بها حتى يومنا هذا لدرجة أنه في سنة من السنين ترجاني أحدهم لأخذها بأي ثمن ولكني رفضت”.

وبعد وقف إطلاق النار، “عدت لمنزلي بالمنصورة، وقد كانت البيادة في قدمي لم أخلعها لفترة طويلة والجرح بقدمي كان قد تعفن لدرجة أنه عند خلع الجورب انتزع معه الجلد بسبب الإصابة ولكن بعدها قمت بمعالجة قدمي المصابة، لكن لم أشعر بأي ألم مقارنة بفرحة النصر التي كانت تنتابني”.

الوسوم