لم تخلُ هذه الأحلام العالقة، صعبة التحقق، من التمني والأمل وحلم الوصول.

لم يمض يوماً هنا إلا وأدركنا فيه صعوبة الطريق.. ربما هو غير مؤهل للمضي، ولكنه مؤهل للصمود. جدتي التي رحلت في عامها السبعين كانت تروي لنا قصصاً لأحلامٍ عاصرت شبابها كاملاً وعاشت تنتظرها أعواماً مديدة، لم يتملكها يأس العجز أو قلة الحيلة، كانت تنتظر الأمنيات كغاية تسعي إليها بارتياح يقين التحقق، حتي حينما أدركت صعوبة الأمر لم تتأرجح بين الحقيقة والخيال، بل حصرتها في قالب التمني والدعاء، لم تمل من التمني ولم تنفر من الانتظار، حتي وهي علي فراش الموت كانت تبتسم وترسل أمنياتها العالقة إلى ذلك المكان التي تتجمع فيه الأمنيات، ربما أفقدها الكبر النطق، ولكن عيناها كانت تصعد مع روحها إلى ذلك المكان الذي ستتحقق فيه الأحلام الضائعة..يوماً ما.

صديقتي التي بلغ بها المرض منتهاه وأفقدتها الحياة لذة الاختيار وحاصرها الألم فأفقدها الشكل الخارجي، فبقيت الروح وبقيت معها هذه الأمنيات التي تلمح النور في كل صباحٍ، فتلهو وتلعب وتراها قادرة على الطيران إلى أبعد ما يكون. حتي يأتي المساء.. فتدرك أنها لم تتحقق، فتستبشر الخير بكل سلامٍ وارتياح وتصعد بأمنياتها إلى الحُلم فتُمنّي نفسها بالأفضل والأفضل وحلم التحقق الذي تراه قريباً سيأتي.. يوماً ما.

هؤلاء الصامدون الثائرون في وجه الظلم والعنصرية واحتلال الأرض في كل مكان، من تهجروا وأبيدوا وهُدّمت منازلهم وعبثت بهم القوي لنهب الثروات وامتلاك الأرض.. لم تصنع أحلامهم المؤجلة جبرياً حاجزاً يمنعهم من التمني، لم تنطفئ نور أمنياتهم الصاعدة مع أرواحهم الطاهرة، كانت وما زالت باقية، تتوارثها الأجيال.. حُلماً ينمو ويكبر مع الجسد.. لم يدركهم اليأس ولم يعتصرهم فراق الرحيل، بل بقيت أحلامهم صامدة بصمود ارواحهم تصعد إلى السماء لتعكس ضوءً في العيون يزيدهم أملاً في الغد بأن تحيا القدس لنا.. يوماً ما في حقيقة الأمر لم أدرك يوماً مفهوم التمني! وكم تساءلت، لماذا ترتبط أرواحنا بأمنياتٍ عالقة هي صعبة التحقق أو ربما مستحيلة! لماذا الترقب إلى ذلك البعيد عن التحقيق والمنال! ولماذا لم يتملكنا اليأس فنترك هذه الأمنيات ونبعثرها على رمال الواقع! ولكني أدركتُ مفهوماً بعيداً يجعلنا نتمسك بأمنياتنا المستحيلة، هو ليس املاً زائفاً او حُلماً دفيناً، بل هو.. يقينٌ وإيمانٌ بالتحقق.. بأن هذه الأمنيات ستُزهرُ.. يوماً ما.