في ظل ما يعانيه الشعب المصري من ارتفاع جنوني في أسعار جميع السلع الأساسية وغيرها، خرجت علينا وزيرة التضامن الاجتماعي بقرار وقف معاش الضمان الاجتماعي عن أي معاق لا يعمل بحُجة أن لديه سيارة مجهزة طبياً!!

اتخذت الوزيرة هذا القرار الصادم والمفاجئ دون التفكير في آثاره السلبية اللا محدودة على ذوي الإعاقة الذين يعانون أشد معاناة في حياتهم اليومية، ولا يشعر بهم أحد، وتناست الوزيرة أن حماية ذوي الإعاقة ورفع المعاناة عنهم من أهم أدوارها وصميم عملها الأساسي وليس العكس.

المدهش أن الدولة اعتبرت أن كل معاق لديه سيارة يعد من أثرياء هذا الوطن، ولا يستحق أي مساعدة أو دعم، مع أن الحقيقة التي لا تعرفها وزيرة التضامن هي أن السيارة المجهزة طبياً بمثابة طرف صناعي وجهاز تعويضي للمعاق، وليست دليلاً على الغني والثراء الفاحش كما يتخيل الكثيرون، وإذا توفرت وسائل مواصلات آدمية تحترم ظروف ذوي الإعاقة لستغنى الكثيرون منهم عن شراء سيارة ترهق كاهلهم بأعبائها والتزاماتها المادية.

وأعتقد أن معظمنا يعرف معاق اقترض وحرم نفسه من متع كثيرة حتى يستطيع شراء السيارة التي تُعينه على التنقل بكل احترام وآدمية، وما كان يخطر بباله أن السيارة التي حصل عليها بعد عناء سنوات ستحرمه من كافة حقوقه الأساسية لدى الدولة بهذا الشكل المُخزي.

والغريب في الأمر أن هذا القرار المُجحف تم تطبيقه في غياب شبه تام من نواب البرلمان، باستثناء طلب إحاطة هنا أو بيان عاجل هناك وعلى استحياء ولحفظ ماء الوجه فقط، أما المجلس القومي لشئون ذوي الإعاقة الذى يفترض أنه الجهة المنوط بها الحفاظ على حقوق ذوي الإعاقة والمطالبة بها ما زال في سُبات عميق، ومر عليه القرار مرور الكرام دون أن يُحرك ساكناً؛ ولا أدرى ما الذي ينتظره حتى يفيق من غفلته التي طالت كثيرا!!

ولمن لا يعرف تبلغ قيمة المعاش الذى حرمت منه الوزيرة المئات 320 جنيه، لكل معاق لم يحصل على حقه في وظيفة حكومية تُعينه على متاعب الحياة ومصاعبها وليس له تأمين صحي شامل، فى نفس الوقت الذي ترفع الدولة يدها عنه وتتركه لمافيا تُجار الأطراف الصناعية والأجهزة التعويضية التي يزداد سعرها يوماً بعد يوم دون أدنى رقابة رغم إعفائها من كافة الرسوم الجمركية والضريبية!!

الأدهى من ذلك والأعجب أن الفتيات من ذوي الإعاقة يتم قطع المعاش عنهن فور زواجهن وكأنهن أصبحن من الأغنياء، رغم أن دخولها فى مرحلة تكوين أسرة يشكل عبء إضافي عليها، ويجب مساعدتها لتكون شريكة زوجها في تحمل نفقات الحياة حتى تشعر بذاتها وبدورها معه في مشوار حياتهما الصعب، أو يستمر حقها في المعاش للوفاء بالتزاماتها الشخصية من علاج وخلافه على أقل تقدير.

والمشكلة أكبر من معاش تم إلغاؤه لأنه حتى لو تكرمت الوزيرة وتراجعت عن قرارها فإنه لن يكفى “عيش حاف” لطفل صغير فما بالنا بشاب في مُقتبل عمره مطالب بالتغلب على مصاعب الحياة وبداية تكوين أسرة بهذا المبلغ الهزيل؟!!
وبعيداً عن أي تشتيت أو إقحامنا في معارك جانبية من قِبل الوزيرة فانني أطالب بزيادة معاش الضمان الاجتماعي ليصبح 1200 جنيه، مثله مثل الحد الأدنى للأجور، وأن يحصل عليه جميع المعاقين الذين لم يعينوا فى وظائف حكومية حتى الآن حتى يستطيع المعاق الوفاء ببعض التزاماته وأعبائه المالية الجسيمة الملقاة على عاتقه.

وأذكِر الوزيرة بأن لديها ملفات وقضايا كثيرة أهم من تعذيب ذوى الإعاقة والتضييق عليهم منها إصلاح دور رعاية الأيتام والتجاوزات التي تحدث بها، وحل مشكلة أطفال الشوارع وخلافه..؛ وأذكرها أيضاً بالمادة ( 81 ) من الدستور والتي تنص على: “التزام الدولة بضمان حقوق ذوى الإعاقة والأقزام صحياً واجتماعياً وثقافياً وترفيهياً ورياضيا وتعليمياً وتوفير فرص العمل لهم…” فلم نطلب من سيادتها أكثر من تطبيق الدستور والقانون فقط، ولو كنا في دولة تراعى حقوق ذوى الإعاقة لكانت إقالة الحكومة كاملة أقل تعويض لهم وأبسط رد على أي مسئول تسوّل له نفسه الاستهانة بذوي الإعاقة أو التلاعب بمقدراتهم وحقوقهم.

ويا أيها المسئول إن كل ما نطالب به هو الحصول على حقوقنا المسلوبة والضائعة منذ سنوات، وأن نجد حياة كريمة آدمية دون تعنت أو اضطهاد أو تهميش.

ودعنى أهمس في أذنك وأقول لك طالما أنك ترى أن ذوي الإعاقة مصدر إزعاج وقلق فعليك بإحراقهم جميعاً في محرقة جماعية مثلما فعل النازي هتلر في المعاقين لأنه كان يرى أنهم فئة بلا فائدة وخطر على الجينات والأجيال القادمة وعُرفت محرقته باسم “القتل الرحيم”.

وأخيراً فانني لا أجيد طريقة التوسلات ولا أحب التعامل مع قضايانا بهذا الشكل لأننا أصحاب حقوق وليست عطايا أو منح حتى ننكسر أو نضعف مهما حدث، فلا تستهينوا بذوي الإعاقة ولا تتلاعبوا بهم فهم قوة عددية وطاقات بشرية هائلة يجب استغلال طاقاتهم وقدراتهم الاستغلال الأمثل نحو مشاركتهم في جميع المجالات للنهوض بالوطن.​​