فقط فى قري الحفير..فتيات لا يذهب إلى المدارس بسبب ندرة المواصلات..أحد أبناء قرى الحفير: عمرنا ما سمع

فقط فى قري الحفير..فتيات لا يذهب إلى المدارس بسبب ندرة المواصلات..أحد أبناء قرى الحفير: عمرنا ما سمع
كتب -

فقط فى قري الحفير..

الفتيات لا يذهب إلى المدارس بسبب ندرة المواصلات

أحد أبناء قرى الحفير: عمرنا ما سمعنا عن واحد حب واحدة إلا فى الأفلام

فلاحة: بنشرب ونطبخ من الجراكن ومية الحنفية مالحة..  مش عارفة لية بيعاملونا كأننا من إسرائيل!

محمد حيزة بازيد

52 -53 -54 -55 أرقام لها دلالتها غير الرقمية التي اعتدنا عليها، إذا ما سلكت طريق (المنصورة-بلقاس) الزراعي، حيث يقطن عشرات الآلاف من المواطنين، في عدة قرى لم تعرف اسما مثل باقي القرى والكفور، إنما لجئوا لتسميتها بالأرقام، ربما لفقدانهم أهم مقومات الحياة التي تؤهلهم للعيش في مجتمع كباقي المجتمعات، حيث لم تعرف الخدمات الأساسية لحياتهم طريقا، فالبنية التحتية منعدمة تماما فضلا عن مياه الري التي لم تعد تعرف حقولهم لها سبيلا، أو مياه الشرب التي لم يعرفوا لها طعما منذ عشرات الشهور، أو لعدم وجود طريق ممهدة ينقلون موتاهم ومرضاهم وأسفارهم عبرها .

 

فقد أغرقهم مرشحو مجلس الشعب طيلة 40عاماً مضت بالوعود وبآمال الإصلاح والرعاية، ولكن لم يفِ أحد بوعده، على حد قولهم، وما زادتهم الوعود إلا أملا في حقوق لم تتحقق بعد، وفي حياة لا زالوا يتطلعون إليها جيلا بعد جيل، والسبيل الوحيد الذي يعرفه هؤلاء للمطالبة بحقوقهم، هو إنتظار مرشحي مجلس الشعب، فضلا عن زراعة حقولهم، وبيع محاصيلهم في الأسواق، حيث يقدسون عجلة الإنتاج، ربما يستجدون بإنتاجهم عطف المسئولين .

 

لا يفصلك عن تلك القرى سوى ساعة ونصف من مدينة المنصورة، حيث يخوض المتجه إلى تلك القرى 50 دقيقة من السير، في طرق غير ممهدة، فلم تعرف هذه الطرق الأسفلت بعد، بالإضافة إلى الظلام الحالك الذي يسودها بالليل، وكثرة التعاريج والإنحناءات، مع وجود مكثف لمطبات عشوائية صنعها الأهالي، التي خوفا على حياة أطفالهم.

السجن الكبير

“ولاد البلد” تجولت في أنحاء تلك القرى بالإضافة إلى قرى “الحفير، وقلابشو” لتنقل معاناة سكانها والأزمات التي يعيشون في ظلالها، ويقول السيد أشرف، فلاح بقرية 54: “الطرق بتاعتنا غير ممهدة والأسفلت لم يصلها مما تسبب في قلة سيارات الأجرة، مع أن المسافة كبيرة من قرية 54 لمركز بلقاس، والسيارة تمر على عشرات القرى، وذلك يعني أن هناك آلاف الركاب ينتظرون سيارات للركوب، ومع ذلك فالسيارات قليلة جدا، لدرجة أننا نستطيع أن نعدها على أصابع اليد بأسماء السائقين، بالإضافة إلى أن السيارات القليلة تلك، تعمل في أوقات معينة وهي أوقات النهار، فمثلا بعد الساعة السادسة من الصعب جدا أن تجد سيارة ومع أول دقيقة من الظلام مستحيل أن تجد سيارة تنقلك من مكان إلى مكان آخر”.

 

تقول الحاجة حفيظة من قرية 54: “حفيدي تعب بالليل وكان لازم يروح المستشفى قعدنا ساعتين ندور على عربية تنقلنا للمستشفي في بلقاس ولم نجدها فاضطررنا إننا نوديه المستشفى على الحمار وفضلنا في الطريق أكثر من 5 ساعات، لحد ما حالته إتدهورت، ومن كام يوم كان عندنا واحدة بتولد في البلد، لولا إن جوزها عرف يتصل بعربية مخصوص تيجي تنقلها لمستشفى الولادة كان زمانها ماتت، إحنا حتى عربيات الإسعاف لا تستطيع الوصول إلينا، لو حصل حريقة الأهالي هم اللي بيطلعوا يطفوها”.

 

ويقول سلامة السعيد فلاح من قرية 54: “أنا طول ما أنا هنا في البلد ببقى حاسس إني في سجن ولو حصل لي حاجة ولادي وجيراني مش هيعرفوا يعملوا لي حاجة شوفنا كتير ولادنا بتموت قدام عنينا ومش عارفين نعملهم حاجة بسبب إن مش عارفين ننقلهم لبلقاس الطريق وحش ومفيش أسفلت ومفيش عربيات أجرة والإسعاف مبيقدرش يجي وأما الدنيا بتبقى ليل العربيات بتخاف تمشي على الطريق عشان التعاريج اللي فيه وكمان الطريق مش أمان، فأهالي 52, 53 ،54 عايشين في سجن كبير ميعرفوش يتحركوا حتى الأعياد الناس مبتخرجش تتفسح في اي حته بسبب الطريق ومفيش مواصلات”.

أخطر حصار في العالم

لم تتوقف مشاكل أهالي تلك القرى عند أزمة في طريق غير ممهدة، أو ظلام حالك لعدم وجود أعمدة إنارة عليه، أو على سوء تخطيط أدى إلى كثرة تعاريجه، وإختفاء سيارات الأجرة والإسعاف والإطفاء، إنما شكل إنفصال هؤلاء البسطاء عن مركزهم “بلقاس” تراجعا ثقافيا وإجتماعيا أسماه عم إبراهيم العدل، أحد الموظفين بالقرية، أنه أخطر حصار في العالم حيث يقول: “قالوا في التاريخ أن هتلر حاصر موسكو وجيش ستالين أكبر حصار في التاريخ بينما نحن نعيش أخطر حصار في العالم بسبب إنقطاعنا عن مركزنا الأم بلقاس، فليس من السهل وصول أية إمدادات ثقافية أو إجتماعية لقرانا لنا أن نتخيل أن قرانا قد تظل بالسنين ولا تدخلها نسخة واحدة من أية جريدة لأنه من سيذهب في تلك الظروف لبلقاس ليحضر جريدة لمواطن لن يقرأها أصلا لأنه لا يملك مخزون ثقافي يدفعه لذلك فضلا عن العادات والتقاليد الرجعية التي لازالت مستشرية في صفوف سكان قرانا بسبب إنفصالهم عن الحياة المدنية تماما”.

 

تقول هـ .س. (18سنة- مزارعة): “كنت أتمنى أدخل الجامعة زي البنات اللي بشوفها في الأفلام وكان نفسي أكمل تعليمي أوي ويبقى معايا شهادة تبقي سلاح في إيدي، بس إحنا عندنا في بلدنا مفيش بنت كملت تعليمها البلاد اللي فيها مدارس إعدادي البنت بيبقى معاها إعدادية وبدال مفيش مدرسة ثانوي خلاص أهلها بيقولولها كفاية عليكي الإعدادية لأنة مينفعش تطلع بره البلد تروح مدرسة ثانوي ولو راحت إستحالة إن أهلها يسمحوا لها تروح الجامعة لإنة لو حصل ممكن يجي اليوم اللي متعرفش توصل بيتها لو إتأخرت في محاضرة ولا في إمتحان مش هتلاقي مواصلات تروح”.

 

ومع إستبعاد فكرة القراءة والتعليم، وتوقف تعليم فتيات القرية عند الإعدادي أو الثانوي، فلم يكن مطلوبا من شبابها أن يتطلعوا إلى التعليم الجامعي، واكتفوا بالدبلوم، حيث قد تسعف الفرصة أحدهم يوما ما من الذهاب إلى المدرسة الصناعية مثلا والعودة قبل أن تختفي المواصلات عن القرية، ومع تدهور الحال التعليمي والثقافي، وإزدياد الحصار، وجد محمد كامل نفسه أمام حياة مختلفة تماما حينما أسعفته الظروف بالسفر إلى الأردن للعمل، ليعود إلى قريته حانقا على حالها ومشفقا في ذات الحال، حيث يقول كامل،: أنا سافرت وأنا عارف إن بلدنا ملهاش مثيل بس مكنتش أتخيل إننا متأخرين كل التأخر دة، إحنا عندنا البنات مش متعلمين بتتعب زوجها في البيت والأم لو مش متعلمة العيال بيطلعوا مش متعلمين أيضا إحنا كمان عندنا عادات صعبة أوي في الجواز وفي الطلاق وفي الحياة وفي البيع وفي الشراء إحنا مش زي حد، أنا عمري ما سمعت إن في واحد حب واحدة في بلدنا وإتجوزوا زى ما بنسمع في بقيت البلاد ولا عمري شفت ناس ساذجة بتضيع حقوقها زى ما إحنا بنسيب حقوقنا أنا قررت إني أتزوج من خارج البلد وأعيش في مكان آخر لأني مش عايز أعيش في الجهل ولا في الإستسلام بتاع بلدنا”.

عطش وظلام

ومع تهالك البنية التحتية وعدم وجودها في كثير من القرى، تقف كل الظروف الحياتية أمام هؤلاء المواطنين، فلجئوا إلى التحايل والتعايش مع الظروف فغياب مياه الري أفسد عليهم زراعتهم، والتي تعد مهنتهم الرئيسة، فلجئوا لزراعة محاصيل لا تحتاج لمياه وفيرة، وانقطاع مياه الشرب كلفهم مئات الجنيهات لشراء المياه من الخزانات المتنقلة، بينما انقطعت الكهرباء فلم يستطيعوا التصدي لإنقطاعها ولا لتوفير خط بديل للطاقة التي لا يروها غير ساعات محدودة من اليوم.

وتقول نظله إسماعيل، فلاحة بقرية 54، إحنا بنشتري كل يوم جركن مياه عشان نشرب ونطبخ بـ 7جنية والمياه على طول قاطعة ولو جات في الحنفية بتبقى مالحة مبنعرفش نشرب منها ولا بنعرف نطبخ وبتبقى كلها أمراض والمحافظ والوزرا بيعاملوا بلدنا أكنها إسرائيل بالظبط أنا مش عارفه إحنا عملنا لهم إيه عشان يعملوا فينا كدا”.

 

وبنفس البراءة تساءلت الحاجة فوزية، من قرية 52، عن سبب تدهور الخدمات والبنية التحتية فتقول: “أنا نفسي أعرف هما حاطين عداد الكهرباء ليه عند باب البيت إذا كانت الكهربا أصلا مبتجيش غير ساعتين أو3ساعات في اليوم وبقيت اليوم بتبقى قاطعة إحنا بنام في الضلمة ومعدناش لاقيين جاز عشان اللمبة ولا في غاز عشان نملا الكلوب واللي عنده غاز في الأنبوبة بيطبخ بيها أدينا عايشين بدون مياه نشربها وبدون كهربا نشوف بيها وننور بها”.

 

وبالرغم من كل هذه الأزمات المستمرة منذ عشرات السنين وحتى الآن، إلا أن الأمل لا زال يحدوا أهالي تلك القرى، ولا زالوا يتطلعون إلى دخول الإصلاحات إلى قراهم، والبنى التحتية إلى مساكنهم، فهل في جعبة محافظ الدقهلية الجديد ما يجد هؤلاء فيه شفاء لمعاناتهم، أم أن أزماتهم لن يفتحها أحد إلا في توقيت الإنتخابات ـ كما قالوا ؟!.