فسيخ نبروه طعم وأسرار وذكريات.. بائع: جمال عبد الناصر كان بياكل فسيخ من عندي

فسيخ نبروه طعم وأسرار وذكريات.. بائع: جمال عبد الناصر كان بياكل فسيخ من عندي
كتب -

طبيب: الفسيخ قد يسبب تسمما يؤدي للوفاة.. وربة منزل: محدش بيتعب لان ربنا عارف نيتنا والكل سايبها على الله

فسخاني بنبروه: أحمد شوبير وشوقي غريب بيشتروا كل سنة فسيخ من عندي

مدير بالتموين: نبروه تنتج 35 طن في الموسم وحللنا عينات وتأكدنا من سلامتها

الدقهلية- محمد حيزة بازيد:

كعادته كل عام، يجلس أمام التقويم السنوي يعد الشهور والأسابيع والمواسم والأعياد، منتظرا شهر أبريل، فهو يحتاج لهذا الشهر كحاجة السمك للماء، وكحاجة الفسيخ إلى الملح، فأبريل لا يمثل له كذبة كعامة الناس، إنما يحظى لديه بالحقيقة المطلقة، ففيه شم النسيم حيث يأتي الناس إليه من كل حدب وصوب، مصطفين في طوابير طويلة لا ليشتروا خبزا إنما ليتزودوا بما استطاعوا من فسيخ.

هو مجدي السيد شعير، يبلغ من العمر 50 عاما، ويعمل في صناعة الفسيخ مذ أن كان في العاشرة من عمره وشرب المهنة طيلة 40عاما مضت على يد أبيه الذي استقى أسرارها من جده، ليكون “شعير” من أكثر الناس خبره بدروب الملح والسمك، وكيف يصنع منهما شهدا مملحا، على حد وصفه.

يقول شعير: أنا أعمل في هذه المهنة منذ أن كان عمري 10 سنوات، لا أعرف مهنة غيرها منذ صغري وأولادي لا يعرفون غيرها، كلنا شربنا سر المهنة من جدنا الكبير ونعمل فيها أنا وإخواني ووالدي، وشم النسيم بالنسبة لنا موسم بننتظره من السنة للسنة لإن البيع فيه بيزيد والرزق بيكتر وبيبقى من أسعد الأوقات اللي بنشتغل فيها، بيجيلنا ناس كتير من خارج الدقهلية يشتروا مننا بنشوفهم من السنة للسنة، وببقى عارف طلبهم مع إني في أوقات كتير معرفش أسامي حد فيهم بس عارف هما عايزين إيه وبخزن طلباتهم لوحدها لإنهم زبايني من سنين فاتت.

يعمل شعير وإخوته في مهنة الفسيخ منذ عشرات السنين كما قال، مما جعله يحتل مكانة مرموقة وسط باعة الفسيخ بمدينة نبروه التي تزدحم بمحلات “الفسخانية” والتي تتحول لقبلة المحتفلين بأعياد شم النسيم، فينظم لها العديد من الناس رحلات من سائر محافظات الجمهورية لشراء الفسيخ، ويكثر الطلب في الأيام الأخيرة حيث تزداد المنافسة بين محال بيع الفسيخ.

يقول محمد الحنبلي، مدير إدارة التموين بمجلس ومدينة نبروه، إن إدارة التموين مستمرة في الرقابة على محلات الفسخانية طيلة الأيام الماضية، ونكثف الحملات خلال تلك الأيام تحديدا لإنها أيام موسم ومركز نبروه يأتي إليه آلاف المغتربين لشراء الفسيخ وصحتهم أمانة في رقابنا، حتى في أيام العطلات الرسمية نحن مستمرون في عمل الحملات للاطمئنان على سلامة الفسيخ في المحلات والتي يبلغ عددها 30 محل لبيع الفسيخ.

ويضيف الحنبلي: نبروه تقريبا تقوم بتصنيع ما يزيد عن 35 طن فسيخ وبيعه خلال موسم شم النسيم، وهذا يدفعنا للمراقبة باستمرار منذ بداية تصنيع السمك، ونقوم بتدوين تاريخ الصلاحية وتاريخ البيع المفترض ونقوم بأخذ عينات من الفسيخ وإرسالها إلى معامل وزارة الصحة المركزية للتأكد من سلامتها وخلوها من أي مواد ضارة، ولم نضبط أي عينات فاسدة هذا الموسم لأن الفسخانية في نبروه بينهم منافسة شديدة حتى في الأسعار، والتموين ليس لديه سلطة الرقابة على الأسعار ولكن المنافسة بين التجار خير رقيب والأسعار هذا العام معتدلة.

يقول شعير، صاحب أحد محلات الفسيخ بنبروه: الأسعار مش أهم حاجة عند الزبون، المهم عند الزبون إنه يأكل سمك بجودة عاليه، ويشعر باللذة التي ينتظرها كل عام للفسيخ، والسعادة الحقيقة لدي ليست في بيع كل الفسيخ اللي عندي في البراميل إنما حينما يأتيني الناس أو يتصلون بي ويقولوا شكرا الفسيخ السنة دي أحسن من كل سنة.

أخذنا شعير لجولة داخل مصنع الفسيخ الخاص به، لنرى بين البراميل المصطفة، رجل انحنى ظهره وخط الزمان في وجهة ذكريات الماضي، وهو عم السيد شعير والد مجدي، وهو المعلم الأول للعائلة، يبلغ من العمر 70عاما تقريبا، بدأ بوصف الفسيخ الذي ينتجه متفاخرا ويقول: “أنا ببيع أحسن فسيخ من 50 سنة وكبار الشخصيات في البلد بتشتري مني، أنا فاكر إن عبد اللطيف البغدادي أشترى مني فسيخ عشان الزعيم جمال عبد الناصر، ويومها علقت صورة كبيرة للرئيس ناصر في المحل، ولحد الوقتي في ناس تأتي من القاهرة إليّ مثل الكابتن شوقي غريب، وأحمد شوبير، وبيشتروا مني فسيخ كل سنة”.

وتابع السيد شعير قائلا: “الفسيخ بتاعنا تعرفه من الخياشيم أما تلاقي الخيشوم أحمر وبطن السمكة بيضة والسمكة عليها قشرها زي ما هو تعرف إن السمكة مظبوطة وصالحة للأكل، ولازم تكون ناشفة وماسكة نفسها، والسمكة الطرية اللي بتكون شبه الدهن بتاع اللحمة تبقى فاسدة ونوعها مش كويس، وإحنا سمكنا كله معتبر من أيام ما كنا بنملحة في السودان ونبيعه في الصفائح في نبروه”.

ويتداول العديد من المواطنين الشائعات عن فوائد وأضرار الفسيخ في هذا التوقيت من كل عام، بينما يؤكد الدكتور حسام غيث، مدير مستشفى منية سندوب، أن الفسيخ وجبة خالية من أية فوائد لإن السمك لم ينضج على النحو المطلوب، بل أن أخطار الفسيخ كثيرة ومتعددة وأهمها التسمم، فقد يحدث الفسيخ حتى وإن كان بجودة عالية تسمما لبعض الأشخاص قد يؤدي إلى الوفاة في الحال، كما أن تناوله خطير جدا على مرضى ارتفاع ضغط الدم لما يحتويه من أملاح تساعد على ارتفاع ضغط الدم، كما أن الفسيخ الغير مملح بشكل كاف قد يكون مسمما لإنه لم يتم التخلص من البكتيريا الضارة به على النحو المطلوب.

وبالرغم من تحذيرات الأطباء المتكررة من تناول الفسيخ وخطر الإكثار من أكله، يقبل عليه الآلاف غير مهتمين بتحذيرات الأطباء، ويقول محمود شرف، مهندس زراعي: “أنا حريص على أكل الفسيخ كل عام أنا وأسرتي ومهما استمعنا إلى تحذيرات الأطباء فإننا لا نهتم نحن نأكله من عشرات السنين، ولم يصب أحد بأذى على الإطلاق”.

وتقول رجاء السعيد، ربة منزل: “يستحيل يمر علينا شم النسيم من غير ما نأكل فسيخ ولا نتخلى عن أكل الفسيخ إلا في حال حدوث ميتم فقط، وربنا بيسترها ما كل المصريين بياكلوا أكل خطير ومحدش بيتعب لإن ربنا عارف نيتنا والكل سايبها على الله”.

ويظل الفسيخ عادة مصرية أصيلة، يقبل عليها آلاف المواطنين من كل عام، دون الاكتراث بالحياة السياسية وأوضاع الحكم، ولا يؤثر عليها حتى تحذيرات الأطباء، ويظل الآلاف من الآباء يورثون تلك العادة إلى الأجيال القادمة.