نعم، إنها عصور ما قبل الأديان، والجاهلية عصر ما قبل ديانة الإسلام، حيث كان رجال القبائل حين يرزقون بأنثى يسارعون لدفنها حية، وقيل إنها حالة وأد الموءودة، لاقتناعهم بأن الأنثى تجلب العار.

المقدمة السابقة لأتمكن من شرح قصة حقيقية تدور في إحدى قرى محافظتي “الدقهلية”، ورغم أنها قصة لم تصل لمرحلة الوأد، ورغم أن الفتاة بطلة القصة تتمنى الوأد أكثر من حياتها الحالية.

القصة تتلخص في أن أقارب فتاة لم تتجاوز الثانية والعشرين من عمرها، يرهبونها ويرغبون في أن تنهي عملها الذي برعت فيه خلال فترة وجيزة لتتزوج، وأن تقبل كل عروض أقاربها حتى لا يمس الأذى أمها، وأن تتنازل عن ميراثها مقابل أن يسمح لها ولأمها بالعيش في منزلهم، ربما هي قصة كنا نظن أنها انتهت وأن القانون قادر على مواجهة أي شيء، ولكن ما يحدث على أرض الواقع هو العبث بعينه.

رحل والدها، فقرر أحد أقاربها أن تتزوج رغم أنها لم تتجاوز التاسعة عشرة من عمرها حينها، وقبلت لتحمي أمها من الطرد، شعرت بالمذلة لكونها مجرد خادمة ولا قيمة لها، وأرغموها على ترك دراستها الجامعية، وكانت تقبل التنازل كل مرة لحماية أمها وشقيقاتها الأخريات اللائي تزوجن بالطريقة نفسها، لأن هذا القريب هو المسيطر على كل ما كان يمتلكه والدها ويتصرف فيه كيفما يشاء، ويظهر أمام أهل القرية بأنه الذي يحميهم ويزوج البنات ويجهزهن.

الكارثة أن بطلة القصة لم تستطع الصمود طويلا، وبعد معاناة دامت لأشهر قليلة مع زوجها انفصل عنها، ولأنها لا تملك ناقة ولا جمل من ميراثها الذي تركه والدها، فقررت مقاضاة الزوج لتحصل على حقوقها، فضربها قريبها حتى دخلت المستشفى، ولم تجرؤ أن تقول حقيقة أثار الضرب على جسدها، عادت لبلدتها وقرر القريب أن تتزوج مرة أخرى، وبعد تدخل عقلاء البلدة، أقنعت قريبها أن تستكمل تعليمها وأن تعمل أيضا لتصرف على نفسها، واستطاعت أن توفر القليل من المال لترضي أمها، وحاولت أن تدخر كي تستطيع مواجهة جبروت هذا القريب، نجحت في عملها ونجحت في دراستها، وظهر القريب مرة أخرى محاولا إجبارها أن تتزوج بأحد عماله، فرفضت وضربت وهربت، فنالت أمها الضرب والطرد.

والآن أمامها أيام قليلة لتتزوج من أحد عمال قريبها وهي تفكر في شيء واحد وهو الهرب خارج المحافظة وقلبها منفطر على أمها، وتفكر أيضا في أن تقتل قريبها لترتاح هي وأمها، ولكنه مجرد تفكير لن تستطيع تنفيذه، وتفكر في أن تخسر كل ما حققته لتبدأ مرحلة “الوأد” مجبرة ليرتاح الجميع وتظل هي في معاناة، وحتى وإن أنجبت أطفالا سيعانون ويكبرون كارهون لكل شيء.. لأن أمهم هي إحدى البنات الائي جاء ذكرهن في الجاهلية بعنوان  “وأد الموؤدة”.

أعلم أن القانون يسري على الجميع وكلنا تحت مظلته، ولا يضيع حق ورائه مطالب، ولكن ما يحدث في القرى يجعلنا نخضع لنظام “الكبير” وهو كبير العائلة، فقراراته نافذة على الجميع، ومن يخالف جزاؤه الطرد والفضح أمام باقي أبناء القرية، فالكبير يعمل لمصلحة كل أفراد العائلة، ولخوفه على بنات العائلة يضطر لتزويجهن مهما كانت العواقب، وإذا اضطرت بطلة القصة لمقاضاته لاستعادة ميراثها الذي يهيمن عليه بداعي الحفاظ فستكون أمام الجميع “بلا تربية” لقد تجاوزت في حق كبير العائلة، وسيقف الجميع ضدها، وعليها أن تكون خانعة بلا أمل وبلا مستقبل وبلا عقل، عليها أن تتقبل الوأد وهي صامتة للدفاع عن أمها وشقيقاتها.