يُحكى أن صيادًا اصطاد مجموعة من العصافير، وكانت دموعه تنهمر من عينيه، بسبب البرد القارس والرياح الشديدة، فنظر عصفوران إليه وإلى دموعه، فقال أحدهما للآخر: انظر إلى الصياد المسكين، يبدو حزينًا على ذبحنا، فقال له العصفور الآخر: “لا تنظر إلى دموع عينيه، ولكن انظر إلى فعل يديه”.

القصة السابقة تكشف حقيقة ما يدور في صحافة الأقاليم، فالجميع ينظر إلى عيونهم، ولا ينظر إلى ما تقترفه أياديهم في حق الصحافة بشكل خاص، وفي حق المواطنين بشكل عام.

لقد أهدروا قيمة اللغة العربية واستبدلوها بلغة “السبوبة”، ليس لديهم الحد الأدنى من المعرفة بماهية الصحافة،
والغريب أنهم يعلنون عبر صفحات “السوشيال ميديا” عن دورات تدريبية بمقابل مادي، وبمزايا مثل إصدار
كارنيه “صحفي”.

وللأسف يصدقهم الشباب الذين لا يمتلكون أي معلومات؛ إلا من هؤلاء المندسين على المهنة، والأمر المحزن أنهم يربون جيلًا من المشوهين صحفًيا، يعلمونهم الابتزاز، وصحافة الجنس والفضائح، لذا لن ينتهي الأمر، وسيستمر هدم التاريخ الصحفي، طالما لا يتصدى لهم أحد.

صحافة الأقاليم تعاني منذ نشأتها، وأضيف إليها كوارث لا نستطيع اختزالها في مقال، ومن باب “الحسنة تخص والسيئة تعم”، لأن أعمم بأن صحافة الأقاليم كلها كارثية، لأن التجارب الجيدة قليلة جدًا، ولن تستطيع مواجهة طوفان الجهل الصحفي، ولن تستطيع أن تساهم في سياسة التجهيل للمتابعين، ولن تستطيع نشر أخبار “فضائحية” لتنتشر مثلهم، لذا خرج علينا أرباب السوابق، واشتروا تراخيص أجنبية لإصدار صحيفة، ومن ثم يستطيع تغيير مهنته في البطاقة الشخصية إلى رئيس مجلس إدارة جريدة.

ومن هنا يبدأ رئيس مجلس الإدارة، رحلته مع الابتزاز واستغلال فتيات حالمات بالعمل الصحفي، استغلال جنسي أو استغلال حلمها بالعمل الصحفي، لبيع ما لديها من مصوغات، كما يقوم أيضًا بالحصول على صور مع مسؤولين بالمحافظة التي يعمل بها، فينبهر “الغلابة” ويستنجدون عطفه لحل مشكلاتهم، فيطلب منهم أموال مقابل إنهاء المشكلات.

أحد معارفي هاتفني قائلًا: “ارحم نفسك وسيب الناس تاكل عيش!!”، بعد منشور كتبته على صفحتي عبر “فيسبوك” منتقدًا سيدة ضلت طريقها، فلم تجد أسهل من أن تكون رئيس مجلس إدارة صحيفة، وتتهم من يعارض قرارات الحكومة، بأنه خائن وعميل ويعمل ضد الدولة، وتحتكر الوطنية لنفسها فقط، وإذا تابعت ما تكتب على صفحات التواصل الاجتماعي، ستجد أن اللغة العربية انتحرت على يديها، فالأخطاء كارثية، فما بالك لو قرأت صحيفتها؟! فكيف تدرب صحفيين جدد؟!

أكاد أجزم بأن هؤلاء المدعين والدخلاء على مهنة الصحافة يعانون من متلازمة “ميثومانيا”، أي هوس الكذب، يعانون من هلاوس نفسية تتلخص في أنهم مقتنعين تمامًا بأن الصحفيين المهنيين ليسوا بصحفيين بل دخلاء عليهم، لأن الصحافة من وجهة نظرهم أن يحصلوا على ١٠٠ like أو أكثر، ومثلهم share على مواقع التواصل الاجتماعي، عن مثلًا “مواطن يصطاد تمساح من ماسورة الصرف”، أو “انفراد.. القصة الكاملة لزواج ملك الجان من سيدة” أو تفاصيل سهرة حمراء في شقة”… إلى آخره.

لست حاملًا للواء التطهير لصحافتنا التي طالما عشقناها، ولست منتقدًا لمجرد الانتقاد، ولكنني أدعوكم لتحكيم العقل، وأن تبتعدوا عن سياسة تجهيل الشعب بأخباركم، التي تربي جيلًا من المشوهين فكريًا والسطحيين، فلنمد أيدينا لبعضنا البعض وننبذ هؤلاء الدخلاء مخربي العقول، من أجل أبنائنا وأقاربنا وعائلاتنا، ومن أجل جيل مثقف وواعٍ.